أي: أن المعروف معهم يقتصر فقط في المعاملة وفي الإنفاق على المحتاج . أما الطاعة لهم فيما يغضب الله فهي محرمة . وحاول بعض المستشرقين أن يطعن في القرآن ، فمنهم من قال: إن هناك تعارضاً بين آيات القرآن الكريم ، فالآيتان اللتان ذكرناهما ؛ الأولى تطلب مقاطعة الآباء والأبناء إن استحبوا الكفر على الإيمان ، والآية الثانية تطلب مصاحبتهم بالمعروف أو عدم القطيعة ، وآية ثالثة تقول: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانوا آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22] .
ولم يفطن هؤلاء إلى أن هناك فارقاً بين الود والمعروف ، فالود هو عمل القلب ، فأنت تحب بقلبك ، ولكن المعروف ليس من عمل القلب لأنك قد تصنع معروفاً في إنسان لا تعرفه ، وقد تصنع معروفاً في عدوك حين تجده في مأزق ، ولكنك لا تحبه ولا توده .
إذن: فالمنهي عنه أن يكون بينك وبين من يحادون الله ورسوله حب ومودة ، أما المعروف فليس منهيا عنه ؛ لأن الله يريد للنفس الإيمانية أن تعترف بفضل الأبوة ، فإن وجدت أباك وهو غير مؤمن في مأزق فاصنع معه معروفاً وساعده ، لكن عليك ألا تطيعه فيما يغضب الله ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يربي في النفس الإيمانية أن تحترم من له فضل عليها . والأب والأم من أسباب الوجود الفرعي في الحياة ، لذلك جاء الأمر بمصاحبتهما بالمعروف في الدنيا ، شرط ألا نقبل منهما دعوتهما للكفر إن كانا من أهل الكفر ، لأن إيمانك بالله لا بد أن يكون هو الأقوى . ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار".