وَيَا لَيْتَ شَيْخَنَا وَقُدْوَتَنَا فِي أَدَبِهِ وَدِينِهِ وَعِلْمِهِ لَمْ يَقُلْ هَذَا فَإِنَّهُ عَلَى بُطْلَانِهِ غَيْرُ لَائِقٍ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْدَهُ فِي مَعْنَاهُ وَهُوَ: وَلِكَمَالِ نَظَرِ الصِّدِّيقِ فَإِنَّهُ رَأَى مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ حُكْمُ اللهِ آخِرًا، وَأَمَّا كَوْنُهُ بَاطِلًا فَقَدْ عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ التَّكْرَارِ الَّذِي يَقَعُ مِثْلُهُ فِي كَلَامِهِ كَثِيرًا.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ الْآيَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ صَرِيحَتَانِ فِي أَنَّ رَأْيَ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - هُوَ الصَّوَابُ، وَوَرَدَتِ الْآثَارُ بِأَنَّهُ مِمَّا وَافَقَ عَلَيْهِ رَأْيُهُ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ هَذَا فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ وَأَقَرَّهُ، وَأَنَّ جَعْلَهُ مَرْجُوحًا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ حُكْمِ الْآيَتَيْنِ مَرْجُوحًا وَهُوَ مُحَالٌ، وَمِنَ اللَّوَازِمِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ بِالْبَالِ، بَلْ غَفَلُوا عَنْهُ، هَذَا وَجَلَّ مَنْ لَا يَغْفُلُ.
وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ حُكْمَ اللهِ تَعَالَى لَمْ يَتَغَيَّرْ أَوَّلًا وَلَا آخِرًا - وَخُلَاصَتُهُ: أَنَّ اتِّخَاذَ الْأَسْرَى وَمُفَادَاتَهُمْ مُقَيَّدٌ بِالْإِثْخَانِ كَمَا تَقَرَّرَ بِالْبَيَانِ التَّامِّ، وَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَخْذُ الْفِدَاءِ مِنْ أَسْرَى بَدْرٍ قَبْلَ الْإِثْخَانِ أَنْكَرَ تَعَالَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، بِمَا تَضَمَّنَ عِتَابَ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيْنَا مِنَ الْحِكَمِ التِّسْعِ أَقْوَى، مِنْ هَذِهِ الْمُرَجِّحَاتِ التِّسْعَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. انتهى انتهى. {تفسير المنار حـ 10 صـ 72 - 88}