وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي تُسَمَّى سُورَةَ الْقِتَالِ أَيْضًا فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ (47: 4) الْآيَةَ ، فَهُوَ فِي إِثْخَانِ الْقَتْلَى الَّذِي يُطْلَبُ فِي مَعْرَكَةِ الْقِتَالِ بَعْدَ الْإِثْخَانِ فِي الْأَرْضِ ، فَإِذَا الْتَقَى الْجَيْشَانِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا بَذْلُ الْجُهْدِ فِي قَتْلِ الْأَعْدَاءِ دُونَ أَخْذِهِمْ أَسْرَى لِئَلَّا يُفْضِي ذَلِكَ إِلَى ضَعْفِنَا وَرُجْحَانِهِمْ عَلَيْنَا ، إِذَا كَانَ هَذَا الْقَتْلُ قَبْلَ أَنْ نُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ بِالْعِزَّةِ وَالْقُوَّةِ الَّتِي تُرْهِبُ أَعْدَاءَنَا ، حَتَّى إِذَا أَثْخَنَّاهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ جُرِحًا وَقَتْلًا ، وَتَمَّ لَنَا الرُّجْحَانُ عَلَيْهِمْ فِعْلًا ، رَجَّحْنَا الْأَسْرَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِشَدِّ الْوَثَاقِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ مِنَ الرَّحْمَةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ ، وَجَعَلَ الْحَرْبَ ضَرُورَةً تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا ، لَا ضَرَاوَةً بِسَفْكِ الدِّمَاءِ ، وَلَا تَلَذُّذًا بِالْقَهْرِ وَالِانْتِقَامِ ، وَلِذَلِكَ خَيَّرَنَا اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ بَيْنَ الْمَنِّ عَلَيْهِمْ وَإِعْتَاقِهِمْ بِفَكِّ وَثَاقِهِمْ وَإِطْلَاقِ حُرِّيَّتِهِمْ ، وَإِمَّا بِفِدَاءِ أَسْرَانَا عِنْدَ قَوْمِهِمْ وَدَوْلَتِهِمْ إِنْ كَانَ لَنَا أَسْرَى عِنْدَهُمْ بِمَالٍ نَأْخُذُهُ مِنْهُمْ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَنَا فِي هَذِهِ الْحَالِ بِقَتْلِهِمْ ، فَقَدْ وَضَعَ الشِّدَّةَ فِي مَوْضِعِهَا وَالرَّحْمَةَ