57 -وبعد أن بين سبحانه وتعالى أنه قد تكرر منهم نقض العهد .. أردف ذلك بذكر ما يجب أن يعاملوا به، فقال: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ} ؛ أي: فإن تجد يا محمَّد هؤلاء الناقضين لعهدهم معك {في الْحَرْبِ} ؛ أي: في أثناء الحرب؛ أي: فإمَّا تصادفنهم وتظفر بهم في الحرب وتتمكن منهم {فَشَرِّدْ بِهِمْ} ؛ أي: ففرق وخوف بسبب تنكيلك بهم وعقوبتك لهم {مَنْ خَلْفَهُمْ} ؛ أي: من ورائهم؛ أي: من سواهم من سائر الكفار الذين يريدون محاربتك، كأهل مكة. ومعنى الآية: إنَّك يا محمَّد إذا ظفرت بهؤلاء الكفار الذين نقضوا العهد .. فافعل بهم فعلًا من القتل والتنكيل تفرِّق بهم جمع كلِّ ناقضٍ للعهد، حتى يخافكم من وارءهم من أهل مكة واليمن {لَعَلَّهُمْ} ؛ أي: لعل الذين خلفهم {يَذَّكَّرُونَ} ؛ أي: يتعظون بما يقع لهؤلاء الناقضين من التعذيب؛ أي: إذا فعلت بقريظة العقوبة .. فرقت شمل قريش؛ إذ يخافون منك أن تفعل بهم مثل ما فعلت بحلفائهم، وهم قريظة، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يفرِّقهم في ذلك الوقت تفريقًا عنيفًا موجبًا للاضطراب، والضميران في {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} الظاهر عودهما على {مَنْ خَلْفَهُمْ} ؛ أي: إذا رأوا ما حلَّ بالناقضين تذكروا اهـ."سمين".
وقرأ الأعمش بخلاف عنه: {فشرِّذ} - بالذال المعجمة - بدل الدال المهملة، وكذا في محصف عبد الله، قالوا: ولم نحفظ هذه المادة في لغة العرب، وقال الزمخشري: فشرِّذ - بالذال المعجمة - بمعنى ففرِّق، وقال قطرب: - بالذال المعجمة - التنكيل، - وبالمهملة - التفريق.
وقرأ أبو حيوة والأعمش بخلاف: {مِنْ خلِفهم} جارًا ومجرورًا، ومفعول {فشرِّد} محذوف؛ أي: ناسًا من خلفهم يعملون مثل عملهم، أو فشرد أمثالهم من الأعداء.