إن قلت: التنازع والاختلاف سبب في القتل فهلا قدم عليه، فأجيب بأن القتل المراد به الجبن الطبيعي والهلع والخوف الحاصل في النفس، وهو سابق على التنازع، وإنما تتمة السؤال أن لو أريد القتل باعتبار الفعل وهو الكف عن المقاتلة لَا لخوف في النفس، قيل: لعدم الناصر والمعين.
قوله تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا ... (44) }
ابن عرفة: في ظاهر الآية تناقض؛ لأن تقليل الكفار في أعين المسلمين نعمة على المسلمين، وسبب في هجومهم على الكفار وغلبهم لهم، ورؤية الكفار للمسلمين قليلين منافية لذلك؛ لأنها أيضا سبب في شدة الكفار وغلبتهم للمسلمين فيلزم التناقض، قال: وأجيب بأن تقليل كل فريق في أعين الفريق الآخر موجب لاجتماع الفريقين للحرب والقتال فيقع ما وعد الله به وأراده من نصرة المسلمين، وتقليل أحد
الفريقين في عين صاحبه دون الآخر موجب لهروب الفريق القليل من الكثير فلا يقع الاجتماع للحرب بوجه، وإنما جاء التناقض من جعل القليل موجب للغلبة؛ بل هو موجب للاجتماع الموجب للغلبة، قال: وعبر في الأول بالاسم وهو قوله تعالى: (فِي أَعْيُنِكُم قَلِيلًا) وقال في الثاني (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) فعبر عن تقليل المسلمين بالفعل، وهنا إشارة أن تقليل الكفار مستمر ثابت ليدوموا على القتال، ولا يدركهم هلع ولا قتل، وتقليل المسلمين في أعين الكفار إنما يكون في أول الأمر؛ فإِذا التقى الجمعان ونشأ الحرب فإهم يرونهم حينئذٍ كثيرين فينهزموا ويدركهم الرعب والخوف.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) }
قال ابن عرفة: الذكر مأمور به مطلقا، وهذا المحل مخصوص بكثرته؛ لقوله (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لأن الطاعة مأمور بها مطلقا، ولا يؤخذ من الآية أن الأمر لا يقتضي التكرار، ولما احتيج إلى قوله (كَثِيرًا) لأن الكثرة أخص من مطلق التكرار.
قوله تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ... (46) }