وروى الحاكم في كتاب الكنى، والقاسم بن أصبغ، «من حديث أبي الحجاج الثمالي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول القبر للميت إذا وضع فيه: ويحك يا ابن آدم! ما غرك بي؟ ألم تعلم أني بيت الفتنة، وبيت الظلمة، وبيت الوحدة، وبيت الدود؟ ما غرك بي يا ابن آدم؟! فإن كان مصلحاً، أجاب عنه مجيب القبر: فيقول: أرأيت إن كان يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر؟ فيقول القبر: إني أعود عليه خضراً ويعود جسمه نوراً، وتصعد روحه إلى رب العالمين» .
وقال مجاهد: أول ما يكلم ابن آدم حفرته، تقول أنا بيت الدود، وبيت الوحدة، وبيت الوحشة، وبيت الظلمة، وبيت الغربة! هذا ما أعددت لك يا ابن آدم فما أعددت لي؟!
وقال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: ألا أخبركم بيوم فقري؟ يوم أدخل قبري!
وكان جعفر الصادق - رضي الله عنه - يأتي القبور ليلاً، ويقول: يا أهل القبور، ما لي إذا دعوتكم لا تجيبون؟ ثم يقول: حيل والله بينهم وبين الجواب، وكأني أكون مثلهم، وأدخل في جملتهم.
ثم يستقبل القبلة حتى طلوع الفجر.
وقال عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليه - لبعض جلسائه: يا فلان، لقد أرقت البارحة تفكيراً بالقبر وساكنه، إنك لو رأيت الميت بعد ثلاث ليال في قبره، لاستوحشت منه بعد طول الأنس به، ولرأيت بيتاً تجول الهوام فيه، ويجري فيه الصديد، وتخرقه الديدان، مع تغير الريح وتقطع الأكفان، وكان ذلك بعد حسن الهيئة وطيب الريح، ونقاء الثوب.
ثم شهق شهقة خر مغشياً عليه.
وقال بعض الحكماء: أربعة أبحر لأربع: الموت بحر الحياة، والنفس بحر الشهوات، والقبر بحر الندامات، وعفو الله بحر الخطيئات، فنسأل الله العظيم أن يجعل الله القبر خير بيت نعمره ونسكنه!
كان عطاء السليمي - رحمه الله - إذا جن الليل خرج إلى المقابر، فيقول: يا أهل القبور، متم، فوا موتاه، وعانيتم أعمالكم، فوا عملاه، ثم يقول: غداً يكون عطاء في القبور، فلا يزال ذلك دأبه حتى يصبح.
وقال سفيان الثوري: من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة، ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار.
ومر علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بالمقابر، فوقف عليها قليلاً، فقال: السلام عليكم أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وبكم عما قليل لاحقون، اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنا وعنهم، طوبى لمن ذكر المعاد، للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي في جميع أحواله عن الله تعالى.