وَبَالَغَ الرَّازِيُّ فِي قَوْلِهِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ التَّنْبِيهَ عَلَى إِخْرَاجِ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ قَبُولِ هَذَا الدِّينِ، لِأَنَّ الْحَامِلَ عَلَى تَحَمُّلِ مَشَقَّةِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَتَرْكِ رِيَاسَةِ الدُّنْيَا وَتَرْكِ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ لَيْسَ إِلَّا الرَّغْبَةَ فِي الثَّوَابِ وَالرَّهْبَةَ مِنَ الْعِقَابِ، وَكُفَّارُ مَكَّةَ لَمَّا لَمْ يَعْتَقِدُوا فِي الْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ امْتَنَعَ مِنْهُمْ تَرْكُ الْحَسَدِ وَتَرْكُ الرِّيَاسَةِ فَلَا جَرَمَ يَبْعُدُ قَبُولُهُمْ لِهَذَا الدِّينِ وَاعْتِرَافُهُمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اهـ. وَيُعْلَمُ وَجْهُ الْمُبَالَغَةِ مِمَّا فَسَّرْنَا بِهِ الْجُمْلَةَ الشَّرِيفَةَ (وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) يُؤَدُّونَهَا فِي أَوْقَاتِهَا، مُقِيمِينَ لِأَرْكَانِهَا وَآدَابِهَا ; فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِالْبَعْثِ وَبِالْقُرْآنِ يَقْتَضِي ذَلِكَ حَتْمًا، وَخُصَّتِ الصَّلَاةُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ مِنْ أَرْكَانِ الْعِبَادَاتِ غَيْرَهَا، عَلَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الصَّلَاةُ عِمَادَ الدِّينِ وَرَأْسَ الْعِبَادَاتِ وَمُمِدَّةَ الْإِيمَانِ بِالتَّقْوِيَةِ وَكَمَالِ الْإِذْعَانِ، كَانَتِ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا دَاعِيَةً إِلَى الْقِيَامِ بِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ الْمَفْرُوضَةِ وَتَرْكِ جَمِيعِ الْمُحَرَّمَاتِ الْمَنْصُوصَةِ، وَمُحَاسَبَةِ النَّفْسِ عَلَى الشُّبُهَاتِ وَالْأَفْعَالِ الْمَكْرُوهَةِ. انتهى انتهى. {تفسير المنار حـ 7 صـ 509 - 518}