والثانية: أن صفة ذلك الوضع لا تصدق على مكان الهيكل وهذه الحجة في غاية القوة. والمقصود من نقل هذه الأقوال أن موضع الذبح المسمى باسم مورة صار موضعًا لاختلاف شديد فيما بينهم فطائفة منهم غيبوا هذا الاسم وترجموه إما ببلوطات عالية وإما بأرض مستعلنة وإما بأرض الرؤيا وطائفة منهم أبقوا هذا الاسم ولكن حرفوه لفظًا فجعلوه (مورة) (ومرياة) (مورياة) وذلك ليلبسوا الحق بالباطل.
وقد رجح الإمام عبد الحميد الفراهي أن الاسم هو المروة بالميم الأصلية وتقديم الراء على الواو لكن حدث تحريف وتبديل لأصل الكلمة وقد بين ذلك.
والأمر الثاني الذي يكشفه لنا: هو تعيين المسمى بهذا الاسم فإن اليهود جعلوه لمكان هيكل سليمان والنصارى لمكان كنيسة القبر المقدس عندهم. ولكن الصحيح أن ذلك الموضع هو الذي في مساكن بني إسماعيل ولم يزل مشهورًا باسم المروة ويؤيد ذلك ما في صحفهم فإنه قد جاء في سفر القضاة (وَكَانَ جَيْشُ المدْيَانِيِّينَ شِمَالِيَّهُمْ عِنْدَ تَلِّ مُورَةَ فِي الْوَادِي) (القضاة 7/ 2: 1) .
فتبين أن هذا تل مورة كان معسكر المديانيين ولا شك أن المديانيين هم العرب واسم مديان يطلق عليهم وعلى أرضهم وقد جاء التصريح بأن مديان هم الإسماعيليون (وَقَالَ رِجَالُ إِسْرَائِيلَ لجِدْعُونَ:"تَسَلَّطْ عَلَيْنَا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنُ ابْنِكَ، لانكَ قَدْ خَلَّصتَنَا مِنْ يَدِ مِدْيَانَ". 23 فَقَالَ لهمْ جِدْعُونُ:"لا أتسَلَّطُ أنا عَلَيْكُمْ وَلا يَتَسَلَّطُ ابْنِي عَلَيْكُمُ. الرَّبُّ يَتَسَلَّطُ عَلَيْكُمْ". 24 ثُمَّ قَالَ لهمْ جِدْعُونُ:"أَطْلُبُ مِنْكُمْ طِلْبَةً: أَنْ تُعْطُوني كُلُّ وَاحِدٍ أَقْرَاطَ غَنِيمَتِهِ". لأنهُ كَانَ لَهُمْ أَقْرَاطُ ذَهَبٍ لأَنَّهُمْ إِسْمَاعِيلِيُّونَ) (القضاة 8/ 24: 22) .
فاتضح مما ذكرنا أن مورة كان في مساكن مديان وأن مديان هم بنو إسماعيل وأن أرض مديان في الحجاز على بحر قلزم.