فإن الله سبحانه وتعالى أَجْرَى الْعَادَةَ الْبَشَرِيّةَ أَنّ بِكْرَ الْأَوْلَادِ أَحَبُّ إلَى الْوَالِدَيْنِ مِمّنْ بَعْدَهُ، وإِبْرَاهِيمُ -عليه السلام- لمّا سَأَل رَبّهُ الْوَلَدَ وَوَهَبَهُ لَهُ تَعَلّقَتْ شُعْبَةٌ مِنْ قَلْبِهِ بِمَحَبّتِهِ وَالله تَعَالَى قَدْ اتّخَذَهُ خَلِيلًا، وَالْخُلّةُ مَنْصِبٌ يَقْتَضِي تَوْحِيدَ المُحْبُوبِ بِالمُحَبّةِ، وَأَنْ لَا يُشَارِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِيهَا، فَلَمّا أَخَذَ الْوَلَدُ شُعْبَةً مِنْ قَلْبِ الْوَالِدِ جَاءَتْ غَيْرَةُ الْخُلّةِ تَنتزِعُهَا مَنْ قَلْبِ الْجلِيلِ فَأَمَرَهُ بِذَبْحِ المُحْبُوبِ، فَلَمّا أَقْدَمَ عَلَى ذَبْحِهِ وَكَانَتْ محَبةُ الله أَعْظَمَ عِنْدَهُ مِنْ محَبةِ الْوَلَدِ خَلَصتِ الْخُلّةُ حِينَئِذٍ مِنْ شَوَائِبِ المُشَارَكَةِ فَلَمْ يَبْقَ فِي الذّبْحِ مَصْلَحَةٌ إذْ كَانَتِ المُصْلَحَةُ إنّمَا هِيَ فِي الْعَزْمِ وَتَوْطِينِ النّفْسِ عليهِ فَقَدْ حَصلَ المُقْصُودُ فَنُسِخَ الْأَمْرُ وَفُدِيَ الذّبِيحُ وَصَدّقَ الْخَلِيلُ الرّؤيا وَحَصَلَ مُرَادُ الرّبّ، حَصلَ عِنْدَ أَوّلِ مَولودٍ وَلَمْ يَكُنْ ليَحْصُلَ فِي المولودِ الْآخَرِ دُونَ الْأَوّلِ بَلْ لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَ المُولودِ الْآخَرِ مِنْ مُزَاحَمَةِ الْخُلّةِ مَا يَقْتَضي الْأَمْرَ بِذَبْحِهِ وَهَذَا فِي غَاية الظّهُورِ.
8 -الحجة الثامنة: الاستدلال بغيرة سارة: