وهذا وقد قال ابن عاشور: بأن البشارة بإسحاق كانت بمحضر سَارَة أمِّه وقد جُعلت هي المبشرة في قوله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} (هود: 72) ، فتلك بشارة كرامة والأولى بشارة استجابة دعائه، فلما ولد له إسماعيل تحقق أمل إبراهيم أن يكون له وارث من صلبه، فالبشارة بإسماعيل لما كانت عقب دعاء إبراهيم أن يهب الله له
من الصالحين عطفت هنا بفاء التعقيب، وبشارته بإسحاق ذكرت في هذه السورة معطوفة بالواو عطف القصة على القصة.
4 -الحجة الرابعة: الاستدلال بما فرق الله به بين الذبيح وإسحاق، فوصف الذبيح بأنه غلام حليم، ووصف إسحاق بأنه غلام عليم، وبما وصف الله به إسماعيل من صفة الصبر وصادق الوعد.
فقد وصف الله سبحانه الذبيح في سورة الصافات بقوله: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} ، وأما إسحاق فجميع الآيات التي جاءت في البشرى به وصفه رب العزة بقوله: {عَلِيمٍ} ، كما في سورة الحجر: {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} (الحجر: 53) ، وكما في الذاريات {وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} (الذاريات: 28) ، وهذا التخصيص لا بد له من حكمة، والحلم هنا مناسب للصبر الذي هو خلق الذبيح، وكذلك فإن إسماعيل قد وصف بالصبر في قوله تعالى {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الأنبياء: 85] (الأنبياء: 85) ، وهذا مناسب لقول الله سبحانه: {يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102] .
وكذلك وصف الله إسماعيل بصدق الوعد في قوله: {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} [مريم: 54] لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفي به، وإذا كان الله سبحانه قد وصف إسماعيل بهذه الصفات ولم يصف إسحاق بشيء منها، فهذا يدل على أن إسماعيل هو الأنسب دون غيره بأن يكون هو الذبيح.
5 -الحجة الخامسة: الاستدلال بوجود قرنا الكبش في الكعبة.