فبهته عجيب ما يراه واستغرقه غريب ما يشاهده فصار يسأل من أنس به عن شأن الواحد بعد الواحد مما اجتذبت إليه نفسه ، ووقع عليه بصره ، وكثر منه إعجابه نظير ما نراه من حال الصبى إذا نظر إلى جو السماء الوسيعة بمصابيحها المضيئة وزواهرها اللامعة ، وعقود كواكبها المنثورة في حالة مطمئنة نراه يسأل أمة: ما هذه التي اشاهدها وأمتلئ من حبها والاعجاب بها ؟ من الذي علقها هناك من الذي نورها ؟ من الذي صنعها ؟ .
غير أن الذي لا نرتاب فيه أن هذا الإنسان إنما يبدا في سؤاله من حقائق الأشياء التي يشاهدها ويتعجب منها بالذي يقرب مما كان يعرفها في حال التوحش والانعزال عن المجتمع وإنما يسأل عن المقاصد والغايات التي لا يقع عليها الحواس .
وذلك لأن الإنسان إنما يستعلم حال المجهولات بما عنده من مواد العلم الأولية فلا ينتقل من المجهولات إلا إلى ما يناسب بعض ما عنده من المعلومات ، وهذا أمر ظاهر
محسوس من حال بعض بسائط العقول كالصبيان وأهل البدو إذا صادفوا أمورا ليس لهم بها عهد فإنهم يبدءون باستعلام حال ما يستأنسون بأمره بعد الاستيناس فيسألون عن حقيقته وعن أسبابه وغاياته .