وحين عرض الحق سبحانه وتعالى هذه المسألة في سورة التكاثر قال: {أَلْهَاكُمُ التكاثر * حتى زُرْتُمُ المقابر * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين} [التكاثر: 1 - 5]
إذا أخبرتكم فهذا الخبر هو الصورة العلمية ، وكان يجب أن يكون ما أخبركم به علم اليقين . {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين * لَتَرَوُنَّ الجحيم * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين} [التكاثر: 5 - 7] .
لأننا سوف نرى النار في الآخرة ، لكن لم تأت حقيقة اليقين ، وجاءت حقيقة اليقين في سورة الواقعة: {وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين * فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين * وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضآلين * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ اليقين} [الواقعة: 90 - 95]
وسيدنا إبراهيم عليه السلام كان حقا من الموقنين في كل أدوار حياته ؛ لأن الله أعلمه ما وراء مظاهر الملك ، ما وراء مظاهر الأشياء ؛ وعواقبها . فمثلا عندما أُخذ ليطرح في النار جاء له جبريل ليقول: ألك حاجة؟ قال سيدنا إبراهيم: أمّا إليك فلا .
ويقول ذلك وهو يعرف أن النار تحرق ، ولكن هذا ظاهر المُلك ، وظواهر الأشياء ، وسيدنا إبراهيم يعلم أن الذي خلقها جعلها محرقة ، ويستطيع ألا يجعلها محرقة ، وهو متيقن به ، ولذلك لم يطفئ الله النار بظاهر الأسباب ولكن جعلها الله ليّاً لأعناق خصومه ، فأوضح الحق: يا نار أنا خلقت فيك قوة الإحراق ، وأنا أقول لك الآن: لا تحرقي . {قُلْنَا يانار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69]
إذن فإبراهيم يعرف هذه الحقائق المختفية وراء المُلك الظاهر ، وهذا من الابتلاءات الأولى في حياته ، ويملك أن يرد على سيدنا جبريل لحظة أن سأله قبل أن يلقوا به في النار: ألك حاجة؟ فيقول إبراهيم: أمّا إليك فلا .