والأبوان قد يدللان هذا الابن ، ويطعمانه من مال حرام ، ويكون فتنة لهما ، فقتل الغلام ليظلا على الإيمان ، وعجلّ ربنا بالولد إلى الجنة مباشرة .
وفي مسألة الجدار تجد الخلاف بين رؤية عالم المُلْك ، ورؤية عالم الملكوتففي ظاهر الأمر أنهما حين أتيا أهل القرية طلباً للطعام ، وطلب الطعام شهادة صدق على الضرورة ، لأنه ليس طلباً للنقود ، فقد يطلب أحد النقود ليدخرها ، لكن من يقول:"أعطني رغيفاً لآكل"فهذه آية صدق الضرورة في طلب الطعام . ولكن أهل القرية أبوا أن يضيفوهما ، إذن هم لئام لا كرام . ويرى العبد الصالح جداراً يريد أن ينقض ، وآيلاً للسقوط فأقامه ، وغضب سيدنا موسى ، سبب غضبه أنه والعبد الصالح استطعما هؤلاء فلم يطعموهما ، فكيف تبني جداراً لهم؟! وكان يصح أن تأخذ عليه أجراً ، وغضب سيدنا موسى سببه ظاهر ، لكن العبد الصالح يشرح المسألة:
لقد أقام الجدار لأن أهل القرية لئام ولم يعطونا طعاماً ، ولو وقع الجدار وظهر الكنز تحته أمام لئام بهذا الشكل لسرقوه من أصحابه ، وهم أطفال ، وقد بناه العبد الصالح بهندسة إيمانية ألهمه الله بها بحيث إذا بلغ الولدان الرشد يقع الجدار . أي أنه بناء موقوت ، مثلما نضبط المنبه على وقت محدد ، كذلك الجدار بحيث إذا بلغ الولدان الرشد يقع الجدار ويأخذان الكنز .
وهذا يوضح لنا الخلاف بين عالم المُلْك وبين عالم الملكوت ؛ فعالم الملكوت هو الذي يغيب عنا وراء الأسباب . وكثير من الناس يقف عند الأسباب ، ولا ينتقل من الأسباب إلى السبب المباشر ، إلى أن ينتهي إلى مسبب ليس بعده سبب .
{وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات والأرض وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين} [الأنعام: 75] .
فهل تيقن أو لم يتيقن؟ .
و"موقنين"جمع"موقن"والجمع أقله ثلاثة ، واليقين ينقسم إلى ثلاث مراحل: يقين بعلم من تثق فيه لأنه لا يكذب ؛ ويقين بعين ما تخبر به ، ويقين بحقيقة المُخْبَر به .