ثم يأتي له الابتلاء في آخر حياته بذبح ولده . ونعلم أن الإنسان تمر عليه أطوار تكوين ذاتيته ، وأحياناً تكون الذات هي المسيطرة ، وفي طور آخر تبقى ذاتية أولاده فوق ذاتيته ، أي أنه يحب أولاده أكثر من نفسه . يتمنى أن يحقق لأولاده كل ما فاته شخصياً . فلما كبر إبراهيم ووهبه الله الولد يأتيه الابتلاء بأن يذبح ابنه إنه ابتلاء شديد قاس ، وهو ابتلاء لا يأتي بواسطة وحي بل بواسطة رؤيا . وكلنا نعلم أن رؤيا الأنبياء حق . لكن إبراهيم يعلم أن الحق سبحانه وتعالى لا يطلب من خلقه إلا أن يستسلموا لقضائه ، ولذلك إذا رأيت إنساناً طال عليه قضاء ربه في أي شيء ؛ في مرض ، في مصيبة ، في مال ، أو غير ذلك فاعلم أنه لم يرض بما وقع له ، ولو أنه رضي لانتهى القضاء . فالقضاء لا يُرفع حتى يُرضى به ، ولا يستطيع أحد أن يلوي يد خالقه .
إذن فالناس هم الذين يطيلون على أنفسهم أمد القضاء .
ولذلك عرف سيدنا إبراهيم هذه القضية: قضية فهمه لعالم الملكوت . فلما قيل له:"اذبح ابنك"لم يرد أن يمر ابنه بفترة سخط على تصرف أبيه ؛ لأنه إن أخذه من يده وفي يده الأخرى السكين فلا بد أن تكون هذه اللحظة مشحونة بالسخط ، فيحرم من الجزاء ، فيبين له المسألة . ويقول القرآن حكاية عن إبراهيم: {يابني إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102]
وهذا القول يريد به إبراهيم أن ينال ابنه ثواب الاستسلام وهو دليل محبة إبراهيم لولده ، فماذا قال إسماعيل: {قَالَ ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين} [الصافات: 102]
قال إسماعيل ذلك ليأخذ عبودية الطاعة . ويؤكد القرآن رضا إبراهيم وابنه بالقضاء فيقول: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103]