يقول العلامة ابن كثير بعد أن ذكر هذا الحديث في كتابه: (البداية والنهاية: وهذا مما كانت عائشة رضي الله عنها تتأوله من الأحاديث(كما قد جمع ما كانت تتأوله في جزء) وتعتقد أنه معارض لبعض الآيات، وهذا المقام مما كانت تعارض فيه قوله تعالى: (وما أنت بمسمع من في القبور) (سورة فاطر: 22) -
قال: وليس هو بمعارض له - والصواب قول الجمهور من الصحابة ومن بعدهم، للأحاديث الدالة نصا على خلاف ما ذهبت إليه رضي الله عنها وأرضاها -
ولم يتهم أحد من الصحابة ولا من بعدهم أم المؤمنين رضي الله عنها برقة دينها، أو ضعف يقينها، أو تنكرها لسنة زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم -
لقد خالفوها جميعا، وبينوا الخطأ في وجهة نظرها، ولكن أحدا لم يمسها بكلمة بسبب آرائها هذه، بل جمعوا آراءها في كتب مفردة وتحدثوا عنها بكل إجلال وتوقير، لأنها صادرة عن اجتهاد، فهي معذورة فيه، بل مأجورة عليه -
الباب الثالث: الدعائم الأخلاقية لفقه الاختلاف
* الإخلاص لله والتجرد من الأهواء
أهمية الدعائم الأخلاقية
مهما يكن من أهمية للدعائم الفكرية والعلمية في تقريب الشقة بين المختلفين من أبناء الصحوة الإسلامية، وتجنيدهم في صف واحد لمواجهة القوى الضخمة التي تكيد للإسلام وأمته في الشرق والغرب، فسيظل للجوانب الإيمانية والأخلاقية أهميتها الخاصة -
فالإنسان في حاجة إلى عقل يقظ، كما يحتاج إلى ضمير حي - في حاجة إلى العلم النافع، وإلى الإيمان الوازع، وإلى الخلق الفاضل -
ومن هنا أفردنا الحديث عن عدد من الدعائم ذات الطابع الأخلاقي، لها أثرها الكبير والعميق في ترسيخ أدب الاختلاف، وتثبيت فكرة الائتلاف، وتأكيد معاني الأخوة والتعاون والتسامح التي دعا إليها الإسلام، والتي يجب أن تسود وتتعمق بين المسلمين عامة، وبين العاملين للإسلام خاصة -
* الإخلاص لله والتجرد من الأهواء
أول ما نبدأ به هنا أمر يسبق كل ما ذكرناه من المبادئ والقواعد وهو: الإخلاص لله وحده، والتجرد للحق، ومجاهدة النفس حتى تتحرر من اتباع هواها أو أهواء غيرها -