وإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره، كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا حتى تاب الله عليهم - وأما إذا ولي غيره بغير إذنه وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية كانت تفويت هذه الجمعة والجماعة جهلا وضلالا، وكان قد رد بدعة ببدعة -
حتى إن المصلي الجمعة خلف الفاجر اختلف الناس في إعادته الصلاة، وكرهها أكثرهم، حتى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس: من أعادها فهو مبتدع - وهذا أظهر القولين، لأن الصحابة لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف أهل الفجور والبدع، ولم يأمر الله تعالى قط أحدا إذا صلى كما أمر بحسب استطاعته أن يعيد الصلاة - كلام شيخ الإسلام -
هذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية بوضوح، منكرا أشد الإنكار على من يكفرون الناس بذنب أو خطأ داعيا إلى التزام الجماعة وعدم الشذوذ عنها، ومجوزا الصلاة وراء المبتدع -
ومع هذا نجد فيمن ينسبون أنفسهم إلى ابن تيمية من يجهل هذه الحقائق كلها، ومن يشهر سيف التكفير في وجه كل من يخالفه في رأي يرى أنه الحق، حتى إن من هؤلاء من كفروا طوائف كبيرة تتبعها جماهير غفيرة من الأمة كالأشاعرة ومنهم من تطاول على كبار العلماء والدعاة، وحكم بكفرهم، غير خائف أن يبوء هو بذلك، كما أنذر بذلك الحديث الشريف -
رد حديث الآحاد لشبهة لا يكفر به:
ومن الخطأ البالغ الذي يقع فيه بعض الناشئين في العلم، أو الحدثاء في الدعوة، أو المتعجلين في الفتوى: تكفير من ينكر بعض الأحاديث الصحاح منأحاديث الآحاد، التي ربما أخرجها الشيخان: البخاري ومسلم، أو أحدهما لشبهات لاحت لهم، قد تكون قوية معتبرة، وقد تكون واهية لا اعتبار لها، ولكنها ـ في نظر أنفسهم ـ شبهات جعلوها عللا قادحة في ثبوت فن الحديث -
فهم يردون الحديث، لأنهم يرونه مخالفا لدلالة القرآن الواضحة، أو للأحاديث اليقينية المتواترة، أو للعلم القطعي المؤكد، أو للواقع التاريخي الثابت، أو لدلالة الحس أو العقل، أو غير ذلك ـ مما جعله علماء الحديث أنفسهم من دلائل الوضع في الحديث ـ وإن كان غيرهم لا يسلم لهم بذلك -