والحق سبحانه قال: {ظُلُمَاتِ البر والبحر} ، وحتى نعرف أهي ظلمات حسّية أم ظلمات معنوية لا بد لنا أن نعرف الظلمة في معناها الحسي ، إنها ما يؤدي إلى عدم الاهتداء إلى الحركة المنجية ، إذن فكل أمر يؤدي إلى عدم الاهتداء - حسّياً أو معنوياً - هو ظلمة ؛ لأن الإنسان في هذه الحالة يسير في أموره بغير اهتداء ، والأحداث والكوارث التي يصعب على الناس أن يعرفوا طريق النجاة منها تُعتبر ظلمة ، سواء أكانت ظلمة حسّية أَمْ معنوية .
والحق سبحانه وتعالى يقرب لنا المعنويات بالأمور الحسّية ، والمراد بالظلمات هنا هي الأحداث والكوراث والنوازل التي تضيق أسباب البشر عن النجاة منها . والإنسان حريص دائماً على نفع نفسه . وتظهر التناقضات في أفعال إنسان عن أفعال إنسان آخر لاختلاف كل منهما في تقييم وتقدير النفعية . والمثال على ذلك واضح ونضربه دائماً هو: مثال التلميذ الذي يذهب صباحاً مبكراً إلى مدرسته ، وينتبه إلى أساتذته ، ويعود إلى منزله ليؤدي واجبه ، ويخرج من لذيذ الكسل ليجد لذة في العمل ، إنَّه بذلك يحب نفسه ويريد النفع لها . أما التلميذ الذي ينام يوقظه أهله فلا يستيقظ ، وإذا أيقظوه فهو يخرج من البيت ليتسكع في الطريق ، مثل هذا التلميذ يحب نفسه حباً أحمق لأنه يريد اللذة العاجلة التي تعقبها سلسلة من الآلام الآجلة . إنه ينتظر مستقبلاً لا كرامة له فيه عكس التلميذ المجد الذي يتبوأ المكانة اللائقة به .