والمثال الواضح أيضاً في الريف هو الفلاح الذي يقضي وقته على المقهى ويسهر الليل أمام التلفيزيون ويترك الأرض بلا حرث ولا رى ولا تسميد ، ولا يمكن أن تنتج الأرض التي يفلحها محصولاً مساوياً لأرض الفلاح الذي يأخذ بأسباب الله فيحرث الأرض وينتظم في ريها في المواعيد المحددة ، ويضع السماد المقرر لها ؛ لأن الذي أخذ بأسباب الله وتعب وبذل جهداً لا بد أن يعطيه الحقُّ الرزقَ الوفيرَ . أما الذي يكسل عن أداء عمله فقد أحب نفسه حباً أحمق قصير الأجل ، وأما الذي أخذ بأسباب الله وأقبل على عمله بحب وتقدير فقدد أحب نفسه حباً أعمق ، فيه نفع له ولغيره .
إن كل حركة يصنعها الإنسان في الحياة إنما يريد بها نفع نفسه ، ولكنْ هناك اختلاف في تقدير النفعية بين إنسان وآخر ، والعاقل من يرى النفعية الآجلة المجدية ويعمل لها . وهاهوذا المتنبي الشاعر العربي يقول:
أرى كلنا يبغى الحياة لنفسه ... حريصا عليها مستهامًا بها صبّاً
فحب الجبان النفس أورده التقى ... وحب الشجاع النفس أورده الحربا
حب الشجاع لنفسه - إذن - جعله طموحاً إلى الحياة الخالدة كشهيد في سبيل الله ، وحب الجبان لنفسه جعله أسير الخوف على الحياة الفانية .