قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ظَنَنْتَ مِنْ مَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: فَتَحْنَا عَلَيْهِمُ اسْتِدْرَاجًا مِنَّا لَهُمْ أَبْوَابَ كُلِّ مَا كُنَّا سَدَدْنَا عَلَيْهِمْ بَابَهُ عِنْدَ أَخْذِنَا إِيَّاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، لِيَتَضَرَّعُوا، إِذْ لَمْ يَتَضَرَّعُوا وَتَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ، لِأَنَّ آخِرَ هَذَا الْكَلَامِ مَرْدُودٌ عَلَى أَوَّلِهِ، وَذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} ، {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ نَسُوا مَا ذَكَّرَهُمْ بِقَوْلِهِ: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} هُوَ تَبْدِيلُهُ لَهُمْ مَكَانَ السَّيِّئَةِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا فِي حَالِ امْتِحَانِهِ إِيَّاهُمْ مِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ إِلَى الرَّخَاءِ وَالسَّعَةِ، وَمِنَ الضُّرِّ فِي الْأَجْسَامِ إِلَى الصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ، وَهُوَ فَتْحُ أَبْوَابِ كُلِّ شَيْءٍ كَانَ أُغْلِقَ بَابُهُ عَلَيْهِمْ مِمَّا جَرَى ذِكْرُهُ قَبْلَ قَوْلِهِ: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} ، فَرَدَّ قَوْلَهُ: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} عَلَيْهِ.
وَيَعْنِي تَعَالَى بِقَوْلِهِ: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا}
يَقُولُ: حَتَّى إِذَا فَرِحَ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ رُسُلَهُمْ بِفَتْحِنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ السَّعَةِ فِي الْمَعِيشَةِ، وَالصِّحَّةِ فِي الْأَجْسَامِ.
عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقُولُ:"رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ثُمَّ فَكَرَّ فِيهَا مَاذَا أُرِيدَ بِهَا: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} "
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ الْحَارِثِيِّ، فِي قَوْلِهِ: {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} قَالَ: «أُمْهِلُوا عِشْرِينَ سَنَةً» وَيَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} أَتَيْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَجْأَةً وَهُمْ غَارُّونَ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ وَلَا هُوَ بِهِمْ حَالٌّ.