وقال مَكِّيُّ بْنُ أبي طالب:"وقد روي عن وَرْشٍ إبدالُ الهَمْزَةِ ألفاً؛ لأن الرِّواية عنه أنه يَمُدَّ الثانية، والمَدُّ لا يتمكن إلاَّ مع البدلِ، وحسَّنَ جوازَ البدلِ في الهمزة وبعدها سَاكِنٌ أنَّ الأوِّل حَرْفُ مدِّ ولينٍ، فإن هذا الذي يحدث مع السكون يقوم مقامَ حركةٍ يُتَوصَّلُ بها إلى النُّطْقِ بالساكن".
وقد تقدَّم شَيءٌ من هذا عند قوله: {أَأَنذَرْتَهُمْ} [البقرة: 6] .
ومنها: أن تُحْذَفَ الهمزة التي هي عَيْنُ الكلمة، وبها قرأ الكسائي، وهي فاشية نَظْماً ونَثْراً فمن النظم قوله: [الرجز]
2158 - أرَيْتَ مَا جَاءَتْ بِهِ أمْلُودا ... مُرَجَّلاً وَيَلبسُ البُرُودَا
أقَائِلُنَّ أحْضِرُوا الشُّهودَا ...
وقال الآخر: [الطويل]
2159 - أرَيْتَكَ إذْ هُنَّا عَلَيْكَ ألَمْ تَخَف ... رَقِيباً وَحَوْلِي مِنْ عَدُوِّكَ حُضَّرُ
وأنشد الكسائي لأبي الأسود: [المتقارب]
2160 - أرَيْتَ امْرَأ كُنْتُ لَمْ أبْلُهُ ... أتَانِي فَقَالَ: اتَّخذنِي خَلِيلاً
وزعم الفرَّاءُ أن هذه اللُّغَةَ لُغّةُ أكثر العربِ.
قال:"في أرَأيْتَ لغتان ومعنيان:"
أحدهما: أن يسأل الرجل: أرأيت زَيْداً، أي: أعَلِمْتَ، فهذه مهموزة.
وثانيهما: أن تقول: أرأيت بمعنى"أخْبِرْني"، فهاهنا تترك الهمزة إن شِئْتَ، وهو أكثر كلام العرب بُؤمئ إلى تَرْكِ الهَمْزَةِ للفرق بين المَعْنَيَين". انتهى."
وفي كيفية حذف هذه الهمزة ثلاثة أوجه:
أحدها: - وهو الظَّاهر - أنه اسْتُثْقِلَ الجَمَعُ بين همزتين في فعلٍ اتَّصَلَ به ضَمِيرٌ، فَخَفَّفَهُ بإسقاط إحدى الهمزتَيْنِ، وكانت الثانية أولى، لأنها حصل بها الثِّقَل؛ ولأنَّ حذفها ثابِتٌ في مضارع هذا الفعل، نحو: أرى، ويرى، ونرى، وترى، ولأنَّ حذف الأولى يُخِلُّ بالتَّفَاهُمِ، إذ هي للاستفهام.