وفي هذه الموجة من السورة نموذج من مخاطبته للفطرة الإنسانية.. نموذج من نماذج متنوعة شتى.. فهو يربط الفطرة البشرية بالوجود الكوني ، ويدع الإيقاعات الكونية تواجه الفطرة البشرية ، ويثير انتباه الكينونة البشرية لتلقي هذه الإيقاعات.. وهو يعلم أنها تستجيب لها متى بلغتها بعمقها وقوتها: {إنما يستجيب الذين يسمعون} ..
والنموذج الذي يواجهنا في هذه الموجة هو:
{وقالوا: لولا نزل عليه آية من ربه! قل: إن الله قادر على أن ينزل آية. ولكن أكثرهم لا يعلمون} ..
وفي هذه الآية يحكي قول الذين يكذبون ويعارضون ويطلبون خارقة يراها جيلهم وتنتهي.. ثم يلمس قلوبهم بما يكمن وراء هذا الاقتراح لو أجيب! إنه الأخذ والتدمير! والله قادر على أن ينزل الآية.. ولكن رحمته هي التي اقتضت ألا ينزلها ، وحكمته هي التي اقتضت ألا يستجيب لهم فيها..
وفجأة ينقلهم من هذا الركن الضيق في التصور والتفكير ، إلى الكون الواسع.
إلى الآيات الكبرى من حولهم. الآيات التي تتضاءل دونها تلك الآية التي يطلبونها. الآيات الباقية في صلب الكون للأجيال كلها من قبلهم ومن بعدهم تراها:
{وما من دابة في الأرض ، ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم. ما فرطنا في الكتاب من شيء . ثم إلى ربهم يحشرون} ..
وهي حقيقة هائلة.. هي حقيقة تستطيع ملاحظتهم وحدها حينذاك - حيث لم يكن لهم علم منظم - أن تشهد بها.. حقيقة تجمع الحيوان والطير والحشرات من حولهم في أمم.. لها سماتها وخصائصها وتنظيماتها كذلك.. وهي الحقيقة التي تتسع مساحة رؤيتها كلما تقدم علم البشر ، ولكن علمهم لا يزيد شيئاً على أصلها! وإلى جانبها الحقيقة الغيبية الموصولة بها ، وهي إحاطة علم الله اللدني بكل شيء ، وتدبير الله لكل شيء .. وهي الحقيقة التي تشهد بها تلك الحقيقة المشهودة..