فهذه الروايات كلها تبين أن هؤلاء المكذبين لم يكونوا يعتقدون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكذبهم فيما يبلغه لهم. وإنما هم كانوا مصرين على شركهم لمثل هذه الأسباب التي وردت بها الروايات ، وما وراءها من السبب الرئيسي ، وهو ما يتوقعونه من وراء هذه الدعوة من سلب السلطان المغتصب ، الذي يزاولونه ، وهو سلطان الله وحده. كما هو مدلول شهادة أن لا إله إله إلا الله التي يقوم عليها الإسلام. وهم كانوا يعرفون جيداً مدلولات لغتهم ؛ وكانوا لا يريدون أن يسلموا بمدلول هذه الشهادة.
وهو إنما يمثل ثورة كاملة على كل سلطان غير سلطان الله في حياة العباد.. وصدق الله العظيم:
{قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون. فإنهم لا يكذبونك ، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} ..
والظالمون في هذا الموضع هم المشركون. كما يغلب في التعبير القرآني الكريم.
ويستطرد من تطييب خاطر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبيان الأسباب الحقيقية لموقف المكذبين منه ومن دعوته ، ومن آيات الله الناطقة بصدقه وصدق ما جاء به.. يستطرد من هذا إلى تذكيره بما وقع لإخوانه الرسل قبله - وقد جاءه من أخبارهم في هذا القرآن - ثم ما كان منهم من الصبر والمضي في الطريق ، حتى جاءهم نصر الله. ليقرر أن هذه هي سنة الدعوات التي لا تتبدل ، ولا يغير منها اقتراحات المقترحين ، كما أنها لا تستعجل مهما ينزل بالدعاة من الأذى والتكذيب والضيق:
{ولقد كذبت رسل من قبلك ، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ، ولا مبدل لكلمات الله ، ولقد جاءك من نبأ المرسلين} ..