قال الزجاج: وجميع ما خلق الله جل وعز لا يخلو من هاتين المنزلتين: إما أن يدب، وإما أن يطير). وقال غيره من أهل المعاني: (خص ما في الأرض هاهنا بالذكر دون ما في السماء، احتجاجًا بالأظهر، وإحالة بالدليل على ما هو ظاهر؛ لأن ما في السماء - وإن كان مخلوقًا له مثلنا - فغير ظاهر) .
وقوله تعالى: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} قال الفراء والزجاج: (ذكر الجناح هاهنا تأكيد، كقولك: نعجة أنثى، وكلمته بفي، ومشيت برجلي) . وقال الزجاج: (وقد تقول للرجل: طرفي حاجتي، وأنت تريد أسرع) ، وأراد بهذا أن الطيران قد يستعمل لا بالجناح كقول العنبري:
طاروا إليه زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانَا
فذكر الجناح ليتمحض في الطير.
وقوله تعالى: {إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} قال الفراء: (يقال: إن كل صنف من البهائم أمة) .
وجاء في الحديث:"لولا أن الكلاب أمة تنبح لأمرت بقتلها"، فجعل الكلاب أمة.
واختلفوا في أن البهائم والطير في ماذا شبهت بنا وجُعلت أمثالنا، فقال ابن عباس في رواية عطاء يريد: (يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني، مثل ما قال تعالى في سبحان: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] ، وكقوله تعالى: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} ) [النور: 41] ، فعلى هذا جُعلت أمثالنا في التوحيد والمعرفة والتسبيح.
وقال مجاهد {إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} : (أصناف مصنفة تُعرف بأسمائها) ، يريد: أن كل جنس من الحيوان أمة تعرف باسمها كالطير والظباء والذئاب والأسود، وكل صنف من السباع والبهائم مثل بني آدم يعرفون بالإنس والناس.