-ظاهرة غياب التصنيف: لو أنّ أحدنا أراد أن يؤلف كتابا عن أي موضوع لصنف ما يكتب إلى فصول يجمع إلى كل فصل جوانبه المشتركة (كالجينات) وظيفيا أو على الأقل المتقاربة تركيبا.. كل ذلك ليسهل على القارئ البشري لملمة الموضوع والاحاطة النسبيه به.. لكنّ اللغة الربانية التي سُطرت بها المادة الوراثية لم تُنظم على هذا الأساس.. والأمثلة لا تكاد أن تحصر هاهنا.. فجزئ الليف الرابع (الكولاجين الرابع) يتكون من ستة جزيئات، كل منها يصنعه جين وراثي هو أبعد ما يكون موقعاً عن الآخر.. المسافات التي بينها تعتبر بحق هائلة عندما تقاس بقياسات ذلك العالم المتناهي في الدقة.. وحتى يستوعب القارئ ذلك أذكر له تشبيه الباحثين لعملية العثور على جين بعملية اكتشاف موقع كورة قدم مخفية في أحد الطوابق الأرضية في عمارة ما بالولايات المتحدة الأمريكية.. وعلى القارئ أن يتخيل أن أحدنا لا يستطيع أن يحافظ على لفة خيط من عدة أمتار يفتحها ويلفها، إذ سرعان ما"تتشعبط"عليه، فكيف بمائة كم من خيط الخياطة الرفيع تلف وتفك ملايين المرات باليوم ضمن نواة الخلية التي لن يزيد حجمها عن دولاب صغير.. وتتناغم فقرات منه متباعدة في عمل مشترك يصل في بعض البروتينات كبروتينات الهموجلوبين إلى طبع عشرات الترليونات أو آلاف البلايين من الجزيئات البروتينية بالثانية الواحدة.. أعظم أيها القارئ بملك الله وقدرته!
رسم يوضح تركيب القواعد الكيميائية في جزيء ال DNA
فما الذي إذاً يجعل هذه الجينات المتخصصة في بناء جزئ بروتيني محدد أن تتداعى آنياً من مواقعها المتباعدة من كروموسومات مختلفة لصناعة ذلك الجزيء البروتيني.. وكيف يتم استيعاب الأعداد الهائلة من المجموعات المتشتتة من الجينات استيعابها زماناً ومكانا لتنطلق فريقا واحدا متآزرا..