قال ابن كثير: يقول تعالى مسليًّا لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في تكذيب قومه له، ومخالفتهم إياه: قد أحطنا علمًا بتكذيبهم لك وحزنك وأسفك عليهم، كما جاء في قوله: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} ، وفي قوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) } . قرأ نافع: {ليُحزنك} بضم الياء وكسر الزاي من أحزن الرباعي، والباقون بفتح الياء وضم الزاي من حزن الثلاثي.
ثم بين أن هذا التكذيب منشؤه العناد والجحود لإخفاء الدليل، فقال: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ} ؛ أي: فلا تحزن لما يقولون فيك وفي دينك في الظاهر؛ لأنهم لا يكذبونك في السر، فإنهم قد علموا صدقك. {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ} القرآنية والإعجازية {يَجْحَدُونَ} ـها ويعاندونها، ويدفعونها بصدودهم عنها وتنفير الناس عنها بعد معرفة حقيقتها. وفي قوله: {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ} وضع الظاهر موضع المضمر.
وقرأ علي ونافع والكسائي: {يكذبونك} بسكون الكاف من أكذب الرباعي؛ أي: لا يجدونك كاذبًا؛ لأنهم يعرفون صدقك وأمانتك. وقرأ باقي السبعة وابن عباس: {يُكَذِّبُونَكَ} بفتح الكاف وتشديد الذال من كذب المضعف؛
أي: لا ينسبونك إلى الكذب بالاعتقاد واللسان. فقيل: هما بمعنى واحد نحو: كثر وأكثر، وقيل: بينهما فرق كما فسرنا. حكى الكسائي أن العرب تقول: كذَّبت الرجل إذا نسبت إليه الكذب، وأكذبته إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به دون أن تنسبه إليه.