والهمزة في قوله: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف؛ أي: قل لهم: أتغفلون أيها المخاطبون المنكرون للبعث عن هذا المذكور، فلا تعقلون وتفهمون أن الحياة الدنيا لعب ولهو، وأنها فانية، والآخرة باقية، وأنتم ترون من يموت، ومن تنوبه النوائب وتفجعه الفواجع؟ ففي ذلك مزدجر عن الركون إليها، واستبعاد النفوس لها، ودليل على أن لها مدبِّرًا يلزم الخلق عبادته وعدم إشراك غيره معه في ذلك التدبير والنظام، وإخلاص العبادة والطاعة له.
وقرأ نافع وابن عامر وحفص: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} بالتاء، خطابًا لمن كان في حضرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من منكري البعث كما فسرنا. وقرأ الباقون بالياء على الغيبة؛ أي: أيغفل الذين يتقون، فلا يعقلون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار، فيعملون لما ينالون به الدرجة الرفيعة والنعيم الدائم، فلا يفترون في طلب ما يوصل إلى ذلك.
33 -وقوله: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} كلام مستأنف مسوق لتسلية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما ناله من الغم والحزن بتكذيب الكفار له. والضمير في {إِنَّهُ} للشأن والحال، والجملة بعده مفسرة له، وما ذكره"الشوكاني"وغيره هنا من أن {قَدْ} للتكثير غير ظاهر كما ذكره أبو حيان؛ لأن علمه تعالى لا يمكن فيه التكثير والزيادة. والظاهر أن يقال: إنها هنا للتحقيق والتوكيد، نظير قوله تعالى: {وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} ، وقوله الشاعر:
وَقَدْ تُدْرِكُ الإِنْسَانَ رَحْمَةُ رَبِّهِ ... وَلَوْ كَانَ تَحْتَ الأَرْضِ سَبْعِيْنَ وَادِيَا
أي: حقًّا علمنا يا محمد أنه ليحزنك ويهمك القول الذي يقولونه لك في الظاهر في طعنك وتكذيب نبوتك، ورد دعوتك إلى التوحيد، وتنفير العرب عنك من قولهم: إنك ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون.