والمعنى: أنهم يقولون في كل معجزة: إنها سحر، وينكرون دلالة المعجزة على الصدق على الإطلاق، أو المعنى: أن القوم ما كذبوك، وإنما كذبوني؛ لأنك رسولي؛ كقول السيد لعبده وقد أهانه بعض الناس: أيها العبد، إنه ما أهانك، وإنما أهانني، والمقصود تعظيم الشأن لا نفي الإهانة عن العبد، ونظيره قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} . روى سفيان الثوري عن علي قال: قال أبو جهل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} .
وروي أن الحارث بن عامر من قريش قال: يا محمد، واللهِ ما كذبتنا قط، ولكنا إن اتبعناك .. نتخطف من أرضنا، فنحن لا نؤمن بك لهذا السبب.
والخلاصة: أنهم لا ينسبون النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى افتراء الكذب، ولا يجدونه كاذبًا في خبر يخبر به؛ بأن يتبين أنه غير مطابق للواقع، وإنما يدعون أن ما جاء به من أخبار الغيب التي من أهمها البعث والجزاء كذبٌ غير مطابق للواقع، ولا يقتضي ذلك أن يكون هو الذي افتراه، فإن التكذيب قد يكون للكلام دون المتكلم الناقل له، وذكر الرازي في نفي التكذيب مع إثبات الجحود أربعة أوجه:
1 -أنهم ما كانوا يكذبونه في السر، ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية، ويجحدون القرآن والنبوة.
2 -أنهم لا يقولون له: إنك كذاب؛ لأنهم جربوه الدهر الطويل، فلم يكذب فيه قط، ولكن جحدوا صحة النبوة والرسالة، واعتقدوا أنه تخيل أنه نبي، وصدق ما تخيله فدعا إليه.
3 -أنهم لما أصروا على التكذيب مع ظهور المعجزات القاهرة وفق دعواه .. كان تكذيبهم تكذيبًا لآيات الله المؤيدة له، أو تكذيبًا له سبحانه وتعالى، فكأن الله قال له: إن القوم ما كذبوك، ولكن كذبوني، وذلك أن تكذيب الرسول كتكذيب المرسل المصدِّق له بتأييده على حد: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} .