ابن عرفة: وتقدم لنا في الآية سؤال وهو أن جوابها مخالف للسؤال لوقوع السؤال بالفعل مثبتا وهو (ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشرَكُوا) ، والجواب بالاسم منفيا وهو (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ(23) .. ، ولم يقل: ما أشركنا مع أن نفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم فلا يلزم منه نفي مطلق الإشراك عنهم، قال: وتقدم الجواب بأن المراد نفي الإشراك الأخص الموجب للخلود في النار، وهو الإشراك المتصل بالنار، وأما نفي مطلق الإشراك فلا لأن من أشرك وتاب من شركه لَا يعذب.
قوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ... (24) }
قال ابن عرفة: تقدمنا فيها سؤال، وهو أنهم كذبوا لأنفسهم لَا عليها لكونهم قصدوا به منفعة أنفسهم لَا مضرتها، قال: والجواب أن الكذب هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به فهم أخبروا عن أنفسهم بغير ما اتصفوا به فهم كاذبون عليها.
فإن قلت: هلا قيل: كذبوا وضل عنهم، وما أفاد زيادة قوله (أَنْفُسِهِم) ، قلنا: فائدة التشنيع عليهم في أنفسهم؛ لأنهم كذبوا عمدا عدوانا؛ لأن الكذب على الأجنبي يوهم فيه النسيان والخطأ، وهؤلاء كذبوا على من هم عاملون حقيقة.
ابن عطية: وقال كذبوا في أمر لم يقع إذ هو حكاية عن يوم القيامة، فوضع الماضي موضع المستقبل تحقيقا لوقوع الفعل، وإن كان في الدنيا فظاهر.
ابن عطية: وأضاف الشرك إليهم؛ لأنه لَا شركة في الحقيقة بين الأصنام وبين شيء .
قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: إذا بنينا على الخلاف المذكور في الأصول في التقييد، بالحكم المشتمل على وصف مناسب إما أن يراعى فيه ذات الشيء ، أو الوصف المناسب فإن روعي هنا ذات الشيء فهو سؤال عن الشركاء حقيقة وهم موجودون، وإن روعي هنا الوصف فليس ثم شركه ولا شركاء بوجه.
قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) }