وَكَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ تَبَيَّنَ أَمْرَهُ وَعَلِمَ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يُعَانِدُ وَيَجْحَدُ نُبُوَّتَهُ حَسَدًا لَهُ وَبَغْيًا. فَالْقَارِئُ (فَإِنَّهُمْ لَا يُكْذِبُونَكَ) يَعْنِي بِهِ: أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَ حَقِيقَةَ نُبُوَّتِكَ وَصِدْقَ قَوْلِكَ فِيمَا تَقُولُ، يَجْحَدُونَ أَنْ يَكُونَ مَا تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مِنْ تَنْزِيلِ اللَّهِ وَمِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَوْلًا، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عِلْمًا صَحِيحًا مصيبٌ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ. وَفِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} أَوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِمُ الْعِنَادُ فِي جُحُودِ نُبُوَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَعَ عِلْمٍ مِنْهُمْ بِهِ وَصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. وَكَذَلِكَ الْقَارِئُ {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ}
يَعْنِي: أَنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا عِنَادًا لَا جَهْلًا بِنُبُوَّتِهِ وَصِدْقِ لَهْجَتِهِ مُصِيبٌ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ
قَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ. وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ.
[ذِكْرُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ، وَلَكِنَّهُمْ يَجْحَدُونَ الْحَقَّ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ بِأَنَّكَ نَبِيُّ لِلَّهِ صَادِقٌ]
عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ جَالِسٌ حَزِينٌ، فَقَالَ لَهُ: مَا يَحْزُنُكَ؟ فَقَالَ: «كَذَّبَنِي هَؤُلَاءِ» قَالَ: فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ، هُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّكَ صَادِقٌ، {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}