وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَةٌ: (لَا يُكْذِبُونَكَ) بِالتَّخْفِيفِ، بِمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ فِيمَا أَتَيْتَهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِ اللَّهِ، وَلَا يَدْفَعُونَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صَحِيحًا بَلْ يَعْلَمُونَ صِحَّتَهُ، وَلَكِنَّهُمْ يَجْحَدُونَ حَقِيقَتَهُ قَوْلًا فَلَا يُؤْمِنُونَ بِهِ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ يَحْكِي عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَكْذَبْتَ الرَّجُلَ: إِذَا أَخْبَرْتَ أَنَّهُ جَاءَ بِالْكَذِبِ وَرَوَاهُ. قَالَ: وَيَقُولُونَ: كَذَبْتَهُ: إِذَا أَخْبَرْتَ أَنَّهُ كَاذِبٌ.
وَقَرَأَتْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِيِّينَ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ} بِمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ عِلْمًا، بَلْ يَعْلَمُونَ أَنَّكَ صَادِقٌ،
وَلَكِنَّهُمْ يُكَذِّبُونَكَ قَوْلًا، عِنَادًا وَحَسَدًا.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي الصِّحَّةِ مَخْرَجٌ مَفْهُومٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا شَكَّ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ قَوْمٌ يُكَذِّبُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدْفَعُونَهُ عَمَّا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى خَصَّهُ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُوَ شَاعِرٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُوَ كَاهِنٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُوَ مَجْنُونٌ، وَيَنْفِي جَمِيعُهُمْ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِ السَّمَاءِ وَمِنْ تَنْزِيلِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَوْلًا.