{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} :
أي ومنهم من يستمع إليك أيها الرسول، استماع استعلاء وانتقاد، لا استماع تدبر وانقياد حيت تتلوا القرآن: داعيًا إلى توحيد الله. ولهذا قد جعلنا على قلوبهم أغطية من الكبر والعجرفة ونعرة الجاهلية. فلم تعد تبلغ كلمات الله مواطن القبول في قلوبهم، ولا تنفذ أسماعهم، لأنهم لا يريدون إلا ذلك.
وفي هذا تشبيه للحجب والموانع المعنوية، بالحجب والموانع الحسية.
فالقلب الذي لا يقبل الحق ولا يتدبره، كالوعاء الذي وضع عليه الغطاء فلا يدخل فيه شيء. والآذان التي لا تنتفع بما يصل إليها من نصائح، كالآذان المصابة بالثقل والصمم فسمعها وعدمه سواءٌ.
{وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا} :
أي وإن يروا كل آية من الآيات الدالة على صحة نبوتك، وصدق دعوتك، لا يؤمنوا بها عنادًا واستكبارًا، مع وضوح حجتها، وظهور الحق فيها؛ لأن قلوبهم وأسماعهم مستغرقة في أنانيتهم وعنجهيتهم، فلا تستجيب للإيمان، ولا تتقبل الهدى.
{حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} :
أي بلغ عنادهم إلى وقت مجيئهم إليك مجادلين منكرين الحق. حيث يقولون: ما هذا الذي جئتنا به، إلا أباطيل السابقين وخرافاتهم: نقلتها ألينا من كتبهم.
فلم يكن مجيئهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -، طلبًا للحق، أو تعرفًا على خير، بل للمحاكة والمجادلة، لأنهم لم يتقبلوا ما في القرآن من أنباء الغيب، إلا على أنها حكايات وخرافات، تُسَطَّرُ وتُكْتَبُ. كغيرها.
وذكر نعتهم بالذين كفروا، وأظهر الفاعل ولم يضمره في {يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا} تقريرٌ لكفرهم، لإيغالهم وغلوهم في اللدد واللجاج.
26 - {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ... } الآية.