والمعنى: الذين آتيناهم الكتاب من اليهود والنصارى، يعرفون محمدا النبيَ الأُميَ خاتم الرسل بحليته ونعته الثابت في التوراة والإِنجيل، معرفةً مستيقنة، كما يعرفون أَبناءَهم بحلاهم ونعوتهم. ولو أَنهم كانوا مؤمنين بالله والكتاب الذي معهم، لآمنوا بمحمد وبالكتاب الذي معه. ولكنهم كتموا شهادة الحق: بَغْيًا وحَسَدا. فخرسوا ولم ينطقوا. أَو نطقوا: كَذِبًا وبهتانا.
{الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} : بإِفسادهم فطرتهم التي تهديهم إلى الحق، وإعراضهم عن دلائل النبوة.
{فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} : بسبب ذلك؛ بسبب فقدان العلم والمعرفة. لأن الله أَخبر عنهم: أنهم على علم ومعرفة.
21 - {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ... } الآية.
أَفادت هذه الآية: أَنه لا يوجد أَظلم ممن اختلق الكذبَ على الله، أَو كذَّب بآياته.
فأَما اختلاق الكذب على الله: فهو كزعمهم. أن الملائكة بنات الله، وأن لله شركاءَ يُعْبَدُونَ معه.
وأَما تكذيبهم بالآيات: فهو شامل لما حدث منهم من تكذيبهم بآياته المنزلة كالقرآن، أَو بآياته الكونية الدالة على وحدانيته أو التي يؤيد بها رسله
ثم بَيَّنَ سبحانه، عاقبة الظالمين وسوءَ منقلبهم فقال:
{إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} :
أَي إِنَّ شأْن الله - في تدبيره - أَنه لا يفلح الظالمون. فلا ينتصرون في دنياهم، ولا ينجون من العذاب في أُخراهم.
وإذا كان هذا حال الظالمين ومآلهم، فكيف تكون عاقبة من افترى، على الله الكذب وكذب بآياته، فكان أَظلم الظالمين، وأَبعد الناس عن رحمة رب العالمين.
22 - {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} :
أَي: واذكر لهم - أَيها الرسول - يوم نحشرهم جميعا، على اختلاف درجاتهم في ظلم أَنفسهم وظلم غيرها. ثم نسأَل الذين أَشركوا - وهم أَشد الناس ظلما - أَين الشركاءُ؟
-سؤال تقريع وتشهير - الذين كنتم تزعمون في الدنيا. أَنهم أَولياؤكم من دون الله، وأَنهم يقربونكم إِليه زلفى، ويشفعون لكم عنده؟ فأين هم؟
لقد ضَلُّوا عنكم وخاب أَملُكم في شفاعتهم.