وقرأ أبو عمرو (وهو يطعم ولا يطعم) بفتح الياء في الثاني. أي: وهو يرزق غيره ويطعمه أما هو - سبحانه - فلا يتناول طعاما ولا شرابا.
وهذه الجملة حالية مؤيدة لإنكار اتخاذ ولى سوى الله، وفيها تعريض بمن اتخذوا أولياء من دونه من البشر بأنهم محتاجون إلى الطعام، وأنه - سبحانه - هو الذي خلق لهم هذا الطعام فهم عاجزون عن البقاء بدونه.
ثم أمره - سبحانه - بأن يصرح أمامهم بأنه برئ من شركهم ومن أفعالهم القبيحة فقال - تعالى - قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
أي: قل أيها الرسول الكريم بعد إيراد هذه الآيات والحج الدالة على وحدانية الله: إنى
أمرت من خالقي أن أكون أول من يسلم له وجهه ويخصه بالعبادة، كما أنى نهيت عن أن أكون من المشركين الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى.
وصح عطف الجملة الثانية الإنشائية على الأولى الخبرية لأن الأولى خبرية في اللفظ ولكنها إنشائية في المعنى فكانت في قوة الجملة الطلبية والتقدير: كن أول من أسلم ولا تكونن من المشركين، ويجوز عطفها على جملة قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ وهي إنشائية في اللفظ والمعنى.
ثم أمره - سبحانه - بأن يعلن أمامهم بأن خوفه من خالقه يحتم عليه أن يبتعد عن كل معصية فقال:
قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ.
أي: قل لهم - يا محمد - على سبيل الإنذار والتحذير من الاستمرار في الكفر إنى أخاف إن عصيت خالقي عذاب يوم عظيم الأهوال تذهل فيه كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ.
وفي هذا التحذير أسمى ألوان التعبير والتصوير لأنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو أحب الخلق إلى الله سينا له العذاب إن كان - على سبيل الفرض والتقدير - قد عصى ربه في الدنيا. فكيف بأولئك الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى؟ فمن الواجب عليهم أن يقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في عبادته وإخلاصه لربه.
وكلمة عَذابَ مفعول لأخاف، وجواب الشرط محذوف والتقدير: إن عصيت ربي استحققت العذاب العظيم.