وقرأ الكسائي وابن كثير وأبو عمرو وشعبة وأهل المدينة برفع الأفعال الثلاثة: {نُرَدُّ} ، {وَلَا نُكَذِّبَ} و {نكونُ} .
والأفعال الثلاثة داخلة تحت التمني؛ أي: تمنوا الرد وأن لا يكذبوا، وأن يكونوا من المؤمنين. وقرأ حفص وحمزة بنصب: {نُكَذِّبَ} {وَنَكُونَ} بإضمار: أن بعد الواو على جواب التمني. واختار سيبويه الأقطع في {وَلَا نُكَذِّبَ} ويكون غير داخل في التمني، والتقدير: ونحن لا نكذب على معنى الثبات على ترك التكذيب؛ أي: لا نكذب رددنا أو لم نرد، قال: وهو مثل دعني ولا أعود؛ أي: لا أعود على كل حال تركتني أو لم تتركني، واستدل أبو عمرو بن العلاء على خروجه من التمني بقوله: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} ؛ لأن الكذب لا يكون في التمني. وقرأ ابن عامر: {ونكونَ} بالنصب، وأدخل الفعلين الأولين في التمني. وقرأ أبي: {ولا نكذب بآيات ربنا أبدا} . وقرأ هو وابن مسعود: {ياليتنا نرد فلا نكذب} بالفاء والنصب، والفاء ينصب بها في جواب التمني كما ينصب بالواو.
28 -ثم بيَّن أن هذا التمني لم يكن لتغيير حالهم، بل لأنه بدا لهم ما كان خفيًّا عنهم، فقال: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ} ؛ أي: بدا لهم سوء عاقبة ما كانوا يخفونه من الكفر والسيئات، ونزل بهم عقابه، فتبرموا وتضجروا وتمنوا الخلاص منه بالرد إلى الدنيا، وترك ما أفضى إليه من التكذيب بالآيات وعدم الإيمان، كما يتمنى الموت من أنهكه المرض وأضناه الداء العضال؛ لأنه ينقذه من الآلام، لا لأنه محبوب في نفسه، ولا مرجو لذاته؛ بيان هذا: أنه إذا جاء ذلك اليوم الذي تبتلى فيه السرائر، وتنكشف فيه جميع الحقائق، وتشهد على الناس الأعضاء والجوارح، وتتمثل لكل فرد أعماله النفسية والبدنية في كتابه الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، كما تتمثل الوقائع مصورة في آلة الصور المتحركة - فلم السينما - فكل أحد يظهر له في الآخرة ما كان خافيًا عليه من خير في نفسه وشر: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) } ؛ أي: فهي لا تخفى على أنفسكم فضلًا عن خفائها على ربكم.