والحاصل: أنهم طلبوا شاهدًا مقبول القول يشهد له بالنبوة، فبين الله تعالى بهذه الآية أن أكبر الأشياء شهادة هو الله تعالى، ثم بيَّن أنه يشهد له بالنبوة وهو المراد بقوله: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ} فهو بمنزلة التعليل لما قبله؛ أي: إن الله سبحانه وتعالى يشهد لي بالنبوة؛ لأنه أوحى إليَّ هذا القرآن، وهو معجزة لأنكم أنتم الفصحاء البلغاء وأصحاب اللسان وقد عجزتم عن معارضته، فكان معجزًا، وإذا كان معجزًا .. كان نزوله عليَّ شهادة من الله تعالى بأني رسوله، وهو المراد بقوله: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ} يعني: أوحي إليَّ هذا القرآن لأخوفكم به وأحذركم مخالفة أمر الله عز وجل ولأبشركم، فحذف المعطوف لدلالة المعنى عليه، أو اقتصر على الإنذار؛ لأنه في مقام تخويف لهؤلاء المكذبين بالرسالة المتخذين غير الله إلهًا. وقوله: {وَمَنْ بَلَغَ} في محل النصب معطوف على الكاف في {لِأُنْذِرَكُمْ} ؛ أي: ولأنذر به من بلغه القرآن ممن يأتي بعدي إلى يوم القيامة من العرب والعجم وغيرهم من سائر الأمم من الإنس والجن، فكل من بلغ إليه القرآن وسمعه فالنبي - صلى الله عليه وسلم - نذير له. قال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وكلمه. وقال أنس بن مالك: لما نزلت هذه الآية .. كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى كسرى وقيصر وكل جبار يدعوهم إلى الله عز وجل.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا .. فليتبوأ مقعده من النار"أخرجه البخاري.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"نضر الله أمرأً سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه، فربَّ مبلغ أوعى له من سامع"أخرجه الترمذي، وله عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"نضر الله أمرأً سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه".