والغرض من هذا الالتفات نلاحظه حينما ندرك أنَّ الأَمْر بإقامَةِ الصلاة وبتقوى اللهِ مع كونه داخلاً في عُمُومِ {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين} إلاَّ أنّ على الرسول وعلى كلّ آمِرٍ بالمعروف ناهٍ عن المنكر من بعده أنْ يقوم بهذه الوظيفة الاجتماعية تذكيراً وتحذيراً، فهو آمِرٌ ونَاهٍ بتوجيه منه، وليس مجرّد مقدّم على سبيل الحكاية ما أمر الله به ونهى عنه، ضمن المأمور به في عبارة: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين} .
{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليل رَأَى كَوْكَباً قَالَ هذا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفلين (76) }
أيْ: إنَّ غياب الكوكب ظاهرة حدوث، وصفه الحدوث لا تكون من صفات الرَّب الخالق، فالكوكب لا يصلح لأنْ يكون ربّاً، فأنا لا أحب عبادة الآفلين الذين ليس أحد منهم يصلح لأنْ يكون ربّاً خالقاً، إنَّما أحبَّ عبادة ربِّي الحقّ.
فجملة {لا أُحِبُّ الآفلين} في معرض البحث عن الربِّ الخالق، تستدعي لدى أهل الفكر والنظر وأذكياء التأمّل كل هذه اللّوازم.
{وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَآءَ بِهِ موسى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ ... (91) }
قال اليهود في دعواهُمُ الكاذبة {مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} ليتَسَنَّى لَهُمْ إِنْكارُ كوْن القرآن مُنَزَّلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عزّ وجلّ.
فجاء في النصّ تعليمُ الرسول وكلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَطْرَحَ عَلَيْهم سؤالاً يَتَضَمَّنُ حُجَّةً بُرْهَانِيَّةً ضِدَّهُم، وهو: {مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَآءَ بِهِ موسى} وهو التوراة؟.
إِنَّهُمْ يؤمنون بأنّ اللَّهَ أنْزَلَه، وكتُبُهُمْ شاهِدَةٌ بذلك، فإذا جَحَدُوا أن يكون منزَّلاً من عند الله فقد نَقَضُوا قَضِيَّةً كُبْرى من قضايا إيمانهم في دينهم، وإذا قالوا كما يعتقدون: أنزلَهُ اللَّهُ على موسى، فقد نَقَضُوا قَوْلَهُمْ: {مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} .
فالحجَّةُ البرهانيَّةُ دامِغَةٌ لهم.
{لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار وَهُوَ اللطيف الخبير (103) }
ومن أمثلة تشابه الأطراف قول الله عزَّ وجلَّ في سورة الأنعام في وصف ذاته جلّ وعلا: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار وَهُوَ اللطيف الخبير} .