وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم: {من يصرف} مبنيًّا للفاعل فـ {من} مفعول مقدم، والضمير في {يصرف} عائد على الله، ويؤيده قراءة أُبي: {من يصرف الله} . وقرأ باقي السبعة: {مَنْ يُصْرَفْ} مبنيًّا للمفعول، ومعلوم أن الصارف هو الله تعالى، فحذف للعلم به أو للإيجاز. والمعنى: أنه من يدفع الله عنه العذاب في ذلك اليوم .. فقد رحمه؛ إذ أنجاه من الهول الأكبر، ومن نجا منه .. فقد دخل الجنة، والنجاة من العذاب والتمتع بالنعيم في دار البقاء هو الفوز المبين الظاهر الذي لا فوز أعظم منه.
واعلم: أن الفوز إنما ينال بحصول مطلوبين:
أحدهما: سلبي، وهو النجاة من العذاب،
والثاني: إيجابي، وهو الظفر بالنعيم المقيم في الجنة.
17 -وبعد أن بين أن صرف العذاب والفوز بالنعيم المقيم من رحمته في الآخرة .. بيَّن أن الأمر كذلك في الدنيا، وأن التصرف فيها له تعالى وحده، فقال: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ} ؛ أي: وإن يصبك الله تعالى ببلية كمرض وفقر ونحو ذلك، والضر: اسم جامع لما ينال الإنسان من ألم ومكروه وغير ذلك مما هو في معناه: {فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} ؛ أي: فلا رافع له عنك إلا هو وحده؛ أي: وإن يصبك أيها الإنسان ضر كمرض وفقر وحزن وذل اقتضته سنة الله .. فلا كاشف له ولا صارف يصرفه عنك إلا هو سبحانه وتعالى دون الأولياء الذين يتخذون من دونه ويتوجه إليهم المشرك بكشفه، وهو سبحانه وتعالى؛ إما أن يكشفه عنك بتوفيقك للأسباب الكسبية التي تزيله، وإما أن يكشفه بغير عمل منك، بل بلطفه وكرمه، فله الحمد على نعمه المتظاهرة التي لا حد لها.
فائدة: فالضر إما في النفس كقلة العلم والفضل والعفة، وإما في البدن كعدم جارحة ونقص ومرض، وإما في حالة ظاهرة من قلة مال وجاه. اهـ"كرخي".