وبعبارة أخرى: أنزل القرآن كافلا لسعادة الإنسان ، وذلك بأن يعرف مولاه ،
ويتوصل إليه بما يقرّب منه ، ويتنصل عما عداه مما يبعده عنه ، ولابد فِي التوصل
من باعث هو الوعد ، وفي التنصل من زاجر هو الوعيد ، ولولاه هنا لاستقر الكسل
الطبيعي على النفوس ، وتسلط عليها دواعي الهوى ، وحجبت عن حضرة النور
بظلمات بعضها فوق بعض.
وقد يظن أن هاهنا مقصدا رابعا: هو الدعاء والسؤال فِي قوله تعالى(اهدنا
الصراط)ويجاب بأنه متفرعّ على ما ذكر ، فإن المعتد به من الدعاء ما كان فِي أمر
الآخرة أو أداء الطاعة وترك المعصية.
لا يقال: كثير من السور تشتمل على هذه المعاني ولم تسم أم القرآن ، لأنا
نقول: لما كانت هذه السورة متقدمة على سائر السور وضعا ، بل نزولا - على قول
الأكثر - وكانت مشتملة على تلك المعاني مجملة على أحسن ترتيب ، ثم
صارت مفصلة فِي السور ثانية نزلت منها منزلة مكة من سائر القرى ، حيث مهدت
أرضها أولا ، ثم دحيت الأرض من تحتها ، فكما أن مكة أم القرى كذلك الفاتحة
أم القرآن ، على أن ما ذكرناه وجه التسمية ، ولا يجب اطراده . انتهى.
قوله: (والتعبد) الأساس: تعبدني فلان: صيرني كالعبد له ، وتعبّد فلان
تنسك ، وعدّي بالباء ، لتضمنه معنى التكليف ، أي كلّفه بالأمر والنهي تعبدا ،
أي بالمأمور والمنهي ، ويجوز أن تكون كالباء كما فِي كتبت بالقلم ، والأمر والنهي
على حقيقتهما.
قوله:(أو على جملة معانيه من الحكم النظرية ، والأحكام العملية التي هي
سلوك الطريق المستقيم ، والاطلاع على مراتب السعداء ما ومنازل الأشقياء)
هذا تعليل ثالث لتسميتها أم القرآن مزيد على الكشاف.
وبسطه - على ما ذكره الطيبي - أنها مشتملة على أربعة أنواع من العلوم ،
هي مناط الدين: