وَقَرَأَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ كُلَّ ذَلِكَ بِالْكَسْرِ , بِمَعْنَى أَنَّهُنَّ عَفَفْنَ وَأَحْصَنَّ أَنْفُسَهُنَّ. وذُكِرَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ أَعِنِّي بِكَسْرِ الْجَمِيعِ عَنْ عَلْقَمَةَ عَلَى الاخْتِلَافِ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ مَعَ اتِّفَاقِ ذَلِكَ فِي الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ. الصَّوَابَ , إِلَّا فِي الْحَرْفِ الْأَوَّلِ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ , وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فَإِنِّي لَا أَسْتَجِيزُ الْكَسْرَ فِي صَادِهِ لِاتِّفَاقِ قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ عَلَى فَتْحِهَا.
وَلَوْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ بِكَسْرِهَا مُسْتَفِيضَةً اسْتِفَاضَتَهَا بِفَتْحِهَا كَانَ صَوَابًا الْقِرَاءَةُ بِهَا كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَصَرُّفِ الْإِحْصَانِ فِي الْمَعَانِي الَّتِي بَيَّنَّاهَا , فَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ لَوْ كُسِرَ: وَالْعَفَائِفُ مِنَ النِّسَاءِ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ , إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ , بِمَعْنَى أَنَّهُنَّ أَحْصَنَّ أَنْفُسَهُنَّ بِالْعِفَّةِ.
وَأَمَّا الْفَتَيَاتُ فَإِنَّهُنَّ جَمْعُ فَتَاةٍ , وَهُنَّ الشَّوَابُّ مِنَ النِّسَاءِ , ثُمَّ يُقَالَ لِكُلِّ مَمْلُوكَةٍ ذَاتِ سِنٍّ أَوْ شَابَّةٍ فَتَاةُ , وَالْعَبْدُ فَتًى.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي نِكَاحِ الْفَتَيَاتِ غَيْرِ الْمُؤْمِنَاتِ , وَهَلْ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} تَحْرِيمُ مَا عَدَا الْمُؤْمِنَاتِ مِنْهُنَّ , أَمْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَأْدِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ إِمَاءِ الْمُشْرِكِينَ
عَنْ مُجَاهِدٍ: {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} قَالَ: «لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَزَوَّجَ مَمْلُوكَةً نَصْرَانِيَّةً»
[وقيل] "لَا يَحِلُّ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ وَلَا لِعَبْدٍ مُسْلِمٍ الْأَمَةُ النَّصْرَانِيَّةُ , لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} يَعْنِي بِالنِّكَاحِ"
وَقَالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْإِرْشَادِ وَالنَّدْبِ , لَا عَلَى التَّحْرِيمِ.