الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ... (25) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الطَّوْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْفَضْلُ وَالْمَالُ وَالسَّعَةُ
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى الطَّوْلِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْهَوَى.
عَنْ رَبِيعَةَ، قَالَ:"الطَّوْلُ: الْهَوَى , قَالَ: يَنْكِحُ الْأَمَةَ إِذَا كَانَ هَوَاهُ فِيهَا"
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى الطَّوْلِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: السَّعَةُ وَالْغِنَى مِنَ الْمَالِ , لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ سِوَى نِكَاحِ الْإِمَاءِ لِوَاجِدِ الطَّوْلِ إِلَى الْحُرَّةِ , فَأَحَلَّ مَا حَرَّمَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ غَلَبَتِهِ الْمُحَرَّمُ عَلَيْهِ لَهُ لِقَضَاءِ لَذَّةٍ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا مِنَ الْجَمِيعِ فِيمَا عَدَا نِكَاحَ الْإِمَاءِ لِوَاجِدِ الطَّوْلِ , فَمَثَلُهُ فِي التَّحْرِيمِ نِكَاحُ الْإِمَاءِ لِوَاجِدِ الطَّوْلِ: لَا يَحِلُّ لَهُ مِنْ أَجْلِ غَلَبَةِ هَوًى سَرَّهُ فِيهَا , لِأَنَّ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِهِ الطَّوْلَ إِلَى الْحُرَّةِ مِنْهُ قَضَاءُ لَذَّةٍ وَشَهْوَةٍ وَلَيْسَ بِمَوْضِعِ ضَرُورَةٍ تَدْفَعُ تَرَخُّصَهُ كَالْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ الَّذِي يُخَافُ هَلَاكُ نَفْسِهِ فَيَتَرَخَّصُ فِي أَكْلِهَا لِيُحْيِيَ بِهَا نَفْسَهُ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ اللَّوَاتِي رَخَّصَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ وَالْخَوْفِ عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْهَلَاكَ مِنْهُ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا فِي غَيْرِهَا مِنَ الْأَحْوَالِ. وَلَمْ يُرَخِّصِ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِعَبْدٍ فِي حَرَامٍ لِقَضَاءِ لَذَّةٍ , وَفِي إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ غَلَبَهُ هَوَى امْرَأَةٍ حُرَّةِ أَوِ امْرَأَةٍ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بِنِكَاحٍ أَوْ شِرَاءٍ عَلَى مَا أَذِنَ اللَّهُ بِهِ , مَا يُوَضِّحُ فَسَادَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَعْنَى الطَّوْلِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْهَوَى , وَأَجَازَ لِوَاجِدِ الطَّوْلِ لِحُرَّةٍ نِكَاحَ الْإِمَاءِ.