(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا(31)
وبعد هذا الوعيد الشديد لكل معتد وظالم، فتح القرآن الكريم باب الرحمة للناس حتى لا يقنطوا من رحمة الله فقال - تعالى - (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا(31) .
واجتناب الشيء معناه: المباعدة عنه وتركه جانبا بحيث تكون أنت في جانب وهو في جانب آخر ولا تلاقى بينكما.
وكبائر الذنوب: ما عظم منها، وعظمت العقوبة عليه. كالشرك، وقتل النفس بغير حق، وأكل مال اليتيم ونحو ذلك من المحرمات.
والسيئات: جمع سيئة وهي الفعلة القبيحة، وسميت بذلك لأنها تسوء صاحبها عاجلا أو آجلا.
والمراد بالسيئات هنا: صغائر الذنوب بدليل مقابلتها بالكبائر.
والمعنى: إن تتركوا - يا معشر المؤمنين - كبائر الذنوب التي نهاكم الشرع عن اقترافها،
نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي نسترها عليكم، ونمحها عنكم حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل فضلا من الله عليكم، ورحمة بكم.
وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً أي وندخلكم في الآخرة مدخلا حسنا وهو الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين. فهي مكان طيب يجد من يحل فيه الكثير من كرم الله ورضاه.
والمدخل - بضم الميم - كما قرأه الجمهور مصدر بمعنى الإدخال، ومفعول ندخلكم محذوف أي نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم إدخالا كريما.
ويصح أن يكون اسم مكان منصوبا على الظرفية عند سيبويه، وعلى المفعولية عند الأخفش.
وقرأ نافع مُدْخَلًا - بفتح الميم - على أنه اسم مكان للدخول، ويجوز أن يكون مصدرا ميميا. أي ندخلكم مكانا كريما أو ندخلكم دخولا كريما.
هذا، وقد استدل العلماء بهذه الآية على أن صغائر الذنوب يغفرها الله - تعالى - لعباده رحمة منه وكرما متى اجتنبوا كبائر الذنوب، وصدقوا في توبتهم إليه.