[فوائد لغوية وإعرابية]
قال ابن عادل:
قوله:"من الذين هادوا"فيه سَبْعَةُ أوْجُه:
أحدها: أن يكُون"من الذين"خبر مُقدم، و"يحرفون"جُمْلَة في محلِّ رفع صِفَة لموصُوف مَحْذوف هو مُبْتَدأ، تقديره: مِنَ الذين هَادُوا قومٌ يُحَرِّفون، وحَذْف الموْصُوف بَعْد"مِنَ"التَّبِعِيضيَّة جَائِزٌ، وإنْ كانت الصِّفَة فِعْلاً؛ كقولهم"مّنَّا ظَعَنَ، ومَنَّا أقَامَ"، أي: فريقٌ أقام، وهذا مَذْهَب سيبويه والفارسِي؛ ومثله: [الطويل]
وَمَا الدَّهْرُ إلا تارتانِ فَمِنْهُمَا ... أمُوتُ وأخرى أبْتَغِي العَيْشَ أكدحُ
أي: فمنهما تَارةٌ أمُوت فِيها.
الثاني: قول الفرَّاء، وهو أن الجَارَّ والمجرور خَبَر مقدَّم أيضاً، ولكن المُبْتدأ المحذُوف يقدره مَوصولاً، تقديره:"من الذين هادوا من يحرفون"، ويكون قد حمل على المَعنى في"يحرفون"قال الفرَّاء: ومِثْله [قول ذي الرِّمَّة] [الطويل]
فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ سَابِقٌ لَهُ ... وآخَرُ يَثْنِي دَمْعه العَيْنِ بِاليَدِ
قال: تقديره، ومنهم [مَنْ] دَمْعه سَابِقٌ لَهُ، والبَصْرِيُّون لا يُجَوِّزُونَ حذف الموصُولِ؛ لأنه جُزْءُ كلمة، وهذا عِنْدَهم مؤولٌ على حَذْفِ موصوفٍ كما تَقَدَّمَ، وتأويلُهُم أولى لعطفِ النكرة عليه، وهو: آخر وأخْرَى في البَيْت قَبْلَه، فيكون في ذلك دلالةٌ على المَحْذُوفِ، والتقدير: فمنهم عَاشِقٌ سَابِقٌ دَمْعه لَهُ وآخَر.
الثالث: أن"من الذين"خَبَر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أي:"هم الذين هادوا"، و"يحرفون"على هذا حَالٌ من ضمير"هادوا"وعلى هذه الأوْجُه الثَّلاثة يكون الكلام قم تَمَّ عند قوله:"نصيراً".