[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
[زهد الناس فيما يملكونه ورغبتهم فيما ليس يملكونه]
قال الجاحظ:
وإنّما قال عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه: «اضربوهنّ بالعري» لأنّ الثياب هي المدعاة إلى الخروج في الأعراس، والقيام في المناحات، والظهور في الأعياد، ومتى كثر خروجها لم يعدمها أن ترى من هو من شكل طبعها. ولو كان بعلها أتمّ حسنا، والذي رأت أنقص حسنا، لكان ما لا تملكه، أطرف ممّا تملكه، ولكان ما لم تنله، ولم تستكثر منه، أشدّ لها اشتغالا وأشد لها اجتذابا. ولذلك قال الشاعر: [من الطويل]
وللعين ملهى بالتّلاد ولم يقد ... هوى النفس شيء كاقتياد الطرائف
وقال سعيد بن مسلم: لأن يرى حرمتي ألف رجل على حال تكشف منها وهي لا تراهم، أحبّ إليّ من أن ترى حرمتي رجلا واحدا غير منكشف.
وقال الأوّل: لا يضرّك حسن من لم تعرف لأنّك إذا أتبعتها بصرك، وقد نقضت طبعك، فعلمت أنّك لا تصل إليها بنفسك ولا بكتابك ولا برسولك، كان الذي رأيت منها كالحلم، وكما يتصور للمتمنّي، فإذا انقضى ما هو فيه من المنى، ورجعت نفسه إلى مكانها الأوّل، لم يكن عليه من فقدها إلّا مثل فقد ما رآه في النوم، أو مثّلته له الأمانيّ. انتهى انتهى {الحيوان، للجاحظ} ...