فصل
قال الآلوسي
{إِن تَجْتَنِبُواْ} أي تتركوا جانباً {كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ} أي ينهاكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم {عَنْهُ} أي عن ارتكابه مما ذكر ومما لم يذكر، وقرئ (كبير) على إرادة الجنس فيطابق القراءة المشهورة، وقيل: يحتمل أن يراد به الشرك {نَّكْفُرَ} أي نغفر ونمحو واختيار ما يدل على العظمة بطريق الالتفات تفخيم لشأن ذلك الغفران، وقرئ (يغفر) بالياء التحتانية {عَنْكُمْ} أيها المجتنبون {سَيّئَاتِكُمْ} أي صغائركم كما قال السدي، واختلفوا في حد الكبيرة على أقوال: الأول: أنها ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة، وإليه ذهب بعض الشافعية، والثاني: أنها كل معصية أوجبت الحد، وبه قال البغوي وغيره، والثالث: أنها كل ما نصب الكتاب على تحريمه أو وجب في جنسه حد، والرابع: أنها كل جريرة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة وبه قال الإمام، والخامس: أنها ما أوجب الحد أو توجه إليه الوعيد، وبه قال الماوردي في"فتاويه"، والسادس: أنها كل محرم لعينه منهي عنه لمعنى في نفسه، وحكي ذلك بتفصيل مذكور في محله عن الحليمي، والسابع: أنها كل فعل نص الكتاب على تحريمه بلفظ التحريم، وقال الواحدي: الصحيح أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكن الله تعالى أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه رجاء أن تجتنب الكبائر، ونظير ذلك إخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر وساعة الإجابة انتهى.