وقوله: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ... ) إلى قوله جل قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا(36) .
سرد - جلَّ جلالُه - هذه الآية على ما تقدم من حكمه في شقاق الزوجين ونشوزهما، فأوجب الإحسان لكل ذي
إحسان: وأمر بإيتاء كل ذي حق حقه، هذا - جلَّ جلالُه - بالأمر لعباده، ثم بالإحسان
بالوالدين، ثم بذي القربى، ثم باليتامى والمساكين، ثم بالجار ذي القربى فإن له حق
القرابة وحق الجوار، وللجار الجنب حق غير مجهول ولا مضيع، وللصاحب
بالجنب الزوج وابن السبيل، ثم بملك اليمين يعمد كل بما يكون في جانبه إحسانًا
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا(36) .
هذه موعظة وعظ الله بها المؤمنين عامة، ثم الزوجين خاصة يعلمهم فيها
أن الله لا يحب المعتدي المتعدي قدره المزكي نفسه.
ولما ذكر - جلَّ جلالُه - الفخور والاختيال، وتعدي الحدود ذكر أهل الكتاين والمنافقين
الذين اعتدوا وشاقوا الله ورسوله، فقال جل قوله: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ
بِالْبُخْلِ ... (37) . فتعدى بخلهم على الناس إلى أن يبخلوا على أنفسهم، كما
تعدى بخل أنفسهم إلى أن يأمرون الناس بالبخل، ظهر ذلك في كتمانهم ما
أنزل الله عليهم من النور والهدى، وقولهم لإخوانهم:(إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ
لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا).
وقولهم: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ.
وقول المنافقين: (لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا)
ونحو هذا من أقاويلهم ومذاهبهم.
وقد آخى الله - جلَّ جلالُه - بينهم، لتشابه قلوبهم في قوله جل قوله:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ).