الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ... (36) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَذِلُّوا لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ , وَاخْضَعُوا لَهُ بِهَا , وَأَفْرِدُوهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ , وَأَخْلِصُوا لَهُ الْخُضُوعَ وَالذِّلَّةَ , بِالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِهِ , وَالِانْزِجَارِ عَنْ نَهْيِهِ , وَلَا تَجْعَلُوا لَهُ فِي الرُّبُوبِيَّةِ وَالْعِبَادَةِ شَرِيكًا تُعَظِّمُونَهُ تَعْظِيمَكُمْ إِيَّاهُ.
{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}
يَقُولُ:"وَأَمَرَكُمْ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا , يَعْنِي بِرًّا بِهِمَا؛ وَلِذَلِكَ نَصَبَ الْإِحْسَانَ , لِأَنَّهُ أَمْرٌ مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِلُزُومِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْإِغْرَاءِ."
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَاسْتَوْصُوا بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا , وَهُوَ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِمَّا قُلْنَاهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَبِذِي الْقُرْبَى} فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَأَمَرَ أَيْضًا بِذِي الْقُرْبَى , وَهُمْ ذَوُو قَرَابَةِ أَحَدِنَا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ مِمَّنْ قَرُبَتْ مِنْهُ قَرَابَتُهُ بِرَحِمِهِ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ إِحْسَانًا بِصِلَةِ رَحِمِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَالْيَتَامَى} فَإِنَّهُمْ جَمْعُ يَتِيمٍ , وَهُوَ الطِّفْلُ الَّذِي قَدْ مَاتَ وَالِدُهُ وَهَلَكَ.
{وَالْمَسَاكِينِ} وَهُوَ جَمْعُ مِسْكِينٍ , وَهُوَ الَّذِي قَدْ رَكِبَهُ ذُلُّ الْفَاقَةِ وَالْحَاجَةِ , فَتَمَسْكَنَ لِذَلِكَ. يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اسْتَوْصُوا بِهَؤُلَاءِ إِحْسَانًا إِلَيْهِمْ , وَتَعَطَّفُوا عَلَيْهِمْ , وَالْزَمُوا وَصِيَّتِي فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَالْجَارِ ذِي الْقَرَابَةِ وَالرَّحِمِ مِنْكَ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ جَارُ ذِي قَرَابَتِكَ
عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ , فِي قَوْلِهِ: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى} قَالَ: «الرَّجُلُ يَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِجِوَارِ ذِي قَرَابَتِكَ»