فقوله: {بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} يريد لا يُدخِلن مَن يكرهه أزواجُهن ولا يُغضِبنهم.
وليس المراد بذلك الزنى؛ فإن ذلك محرّم ويلزم عليه الحدّ.
وقد قال عليه الصلاة والسلام:"اضربوا النساء إذا عَصَينكم في معروفٍ ضَرْباً غيرَ مُبَرِّح"قال عطاء: قلت لابن عباس ما الضرب غيرُ المُبَرِّح؟ قال بالسواك ونحوه.
وروي أن عمر رضي الله عنه ضرب امرأته فعُذِل في ذلك فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يُسأل الرجل فيمَ ضرب أهله". انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 5 صـ 172 - 173} .
فصل
قال ابن عاشور:
وقوله: {والتي تخافون نشوزهن} هذه بعض الأحوال المضادّة للصلاح وهو النشوز، أي الكراهية للزوج، فقد يكون ذلك لسوء خلق المرأة، وقد يكون لأنّ لها رغبة في التزوّج بآخر، وقد يكون لقسوة في خُلق الزوج، وذلك كثير.
والنشوز في اللغة الترفّع والنهوض، وما يرجع إلى معنى الاضطراب والتباعد، ومنه نَشَزُ الأرض، وهو المرتفع منها.
قال جمهور الفقهاء: النشوز عصيان المرأة زوجها والترفّع عليه وإظهار كراهيته، أي إظهار كراهية لم تكن معتادة منها، أي بعد أن عاشرته، كقوله:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا".
وجعلوا الإذن بالموعظة والهجر والضرب مرتّبا على هذا العصيان، واحتجّوا بما ورد في بعض الآثار من الإذن للزوج في ضرب زوجته الناشز، وما ورد من الأخبار عن بعض الصحابة أنّهم فعلوا ذلك في غير ظهور الفاحشة.
وعندي أنّ تلك الآثار والأخبار مَحْمَل الأباحة فيها أنّها قد روعي فيها عرف بعض الطبقات من الناس، أو بعض القبائل، فإنّ الناس متفاوتون في ذلك، وأهل البدو منهم لا يعُدّون ضرب المرأة اعتداء، ولا تعدّه النساء أيضاً اعتداء، قال عامر بن الحارث النمري الملقّب بجِرَاننِ العَوْد.