عَمِدْتُ لِعَوْدٍ فَالْتَحَيْتُ جِرَانَهُ ...
ولَلْكَيْسُ أمضى في الأمور وأنجح
خُذا حَذراً يا خُلَّتيَّ فإنّني ...
رأيتُ جران العَوْد قد كاد يصلح
والتحيْت: قشرّت، أي قددت، بمعنى: أنّه أخذ جلداً من باطن عنق بعير وعمله سوطا ليضرب به أمرأتيه، يهدّدهما بأنّ السوط قد جَفّ وصلح لأن يضرب به.
وقد ثبت في"الصحيح"أنّ عمر بن الخطاب قال: (كنا معشر المهاجرين قوما نغلب نساءنا فإذا الأنصار قوم تغلبهم نساؤهم فأخذ نساؤنا يتأدّبن بأدب نساء الأنصار) .
فإذا كان الضرب مأذونا فيه للأزواج دون وُلاة الأمور، وكان سببه مجرّد العصيان والكراهِية دون الفاحشة، فلا جرم أنّه أذن فيه لقوم لا يعُدّون صدوره من الأزواج إضراراً ولا عارا ولا بدعا من المعاملة في العائلة، ولا تشعر نساؤهم بمقدار غضبهم إلاّ بشيء من ذلك.
وقوله: {فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} مقصود منه الترتيب كما يقتضيه ترتيب ذكرها مع ظهور أنّه لا يراد الجمع بين الثلاثة، والترتيب هو الأصل والمتبادر في العطف بالواو، قال سعيد بن جبير: يعظها، فإن قبلت، وإلاّ هجرها، فإن هي قبلت، وإلاّ ضربها، ونُقل مثله عن علي.
واعلم أنّ الواو هنا مراد بها التقسيم باعتبار أقسام النساء في النشوز. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 116 - 117}
فصل
قال ابن عاشور:
ومعنى {تخافون نشوزهن} تخافون عواقبه السيّئة.
فالمعنى أنّه قد حصل النشوز مع مخائل قصد العصيان والتصميم عليه لا مطلق المغاضبة أو عدم الامتثال، فإنّ ذلك قلّما يخلو عنه حال الزوجين، لأنّ المغاضبة والتعاصي يعرضان للنساء والرجال، ويزولان، وبذلك يبقى معنى الخوف على حقيقته من توقّع حصول ما يضرّ، ويكون الأمر بالوعظ والهجر والضرب مراتبَ بمقدار الخوف من هذا النشوز والتباسه بالعدوان وسوء النية.