الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22) }
قَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ كَانُوا يَخْلُفُونَ عَلَى حَلَائِلِ آبَائِهِمْ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَحَرَّمَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمُ الْمُقَامَ عَلَيْهِنَّ، وَعَفَا لَهُمْ عَمَّا كَانَ سَلَفَ مِنْهُمْ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ وَشِرْكِهِمْ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ لَمْ يُؤَاخِذْهُمْ بِهِ إِنْ هُمُ اتَّقَوُا اللَّهَ فِي إِسْلَامِهِمْ وَأَطَاعُوهُ فِيهِ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، إِلَّا أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُخَلَّفُ عَلَى حَلِيلَةِ أَبِيهِ، وَيَجْمَعُونَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ» فَمِنْ ثَمَّ قَالَ اللَّهُ: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ}
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَكِنْ مَا قَدْ سَلَفَ فَدَعُوهُ، وَقَالُوا: هُوَ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ،
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَا تَنْكِحُوا نِكَاحَ آبَائِكُمْ، بِمَعْنَى: وَلَا تَنْكِحُوا كَنِكَاحِهِمْ كَمَا نَكَحُوا عَلَى الْوُجُوهِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ مِثْلُهَا فِي الْإِسْلَامِ.
{إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا}
يَعْنِي أَنَّ نِكَاحَ آبَائِكُمُ الَّذِي كَانُوا يَنْكِحُونَهُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا، إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ مِنْكُمْ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ مِنْ نِكَاحٍ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ مِثْلِهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ مُعْفُوًّ لَكُمْ عَنْهُ. وَقَالُوا: قَوْلُهُ: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِلرَّجُلِ: لَا تَفْعَلْ مَا فَعَلْتُ، وَلَا تَأْكُلْ مَا أَكَلْتُ بِمَعْنَى: وَلَا تَأْكُلْ كَمَا أَكَلْتُ، وَلَا تَفْعَلْ كَمَا فَعَلْتُ.