وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ بِالنِّكَاحِ الْجَائِزِ كَانَ عَقْدُهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ وُجُوهِ الزِّنَا عِنْدَهُمْ، فَإِنَّ نِكَاحَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ كَانَ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَلَائِلُ، وَإِنَّمَا مَا كَانَ مِنْ آبَائِكُمْ مِنْهُنَّ مِنْ ذَلِكَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عَلَى مَا قَالَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ، أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَلَا تَنْكِحُوا مِنَ النِّسَاءِ نِكَاحَ آبَائِكُمْ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ مِنْكُمْ، فَمَضَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: {مِنَ النِّسَاءِ} مِنْ صِلَةِ قَوْلِهِ: {وَلَا تَنْكِحُوا} وَيَكُونُ قَوْلُهُ: {مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: {إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ؛ لِأَنَّهُ يَحْسُنُ فِي مَوْضِعِهِ: لَكِنْ مَا قَدْ سَلَفَ فَمَضَى، {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا}
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ مُوَافِقًا قَوْلَ مَنْ ذَكَرْتَ قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الَّذِينَ ذَكَرْتَ قَوْلَهُمْ فِي ذَلِكَ، إِنَّمَا قَالُوا: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ حَلَائِلِ الْآبَاءِ، وَأَنْتَ تَذْكُرُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا نُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا نِكَاحَهُمْ؟